تنبعث الإضاءة من داخل الشاشة، وتنطلق الألوان متراقصة بين زوايا متعددة، حتى يتحول المشهد إلى عالم ثلاثي الأبعاد ينبض بالحياة. داخل صندوق صغير لا يتجاوز طوله 40 سنتيمترًا، تتجسد مشاهد مستوحاة من الفنون التراثية الشعبية، فيرى المشاهد أبو زيد الهلالي، بطل السيرة الهلالية، يخوض إحدى معاركه وكأنه عاد من صفحات التاريخ إلى الحاضر في رحلة بصرية تعبر الزمن.
يجذب الصندوق أنظار المارة بألوانه الزاهية وهيئته المستوحاة من صندوق الدنيا، ذلك الفن الشعبي القديم الذي كان يجوب الشوارع والحارات لكن بطريقة أكثر تطورًا. - صندوق الدنيا هو آلة ترفيهية شعبية تراثية، يُعرف أيضًا باسم "صندوق الفرجة أو العجب"، وهو صندوق خشبي صغير كان يُستخدم لعرض الصور والقصص المتنوعة قبل ظهور التلفزيون والسينما.

يقف إلى جواره نادر ناجي، أستاذ بالمعهد العالي لفنون الطفل التابع لأكاديمية الفنون بالقاهرة، يتابع فضول المتفرجين، خاصة الأطفال الذين يقتربون منه متسائلين عن ماهية الصندوق وفكرته. يجيبهم بلغة بسيطة تناسب أعمارهم، ثم يواصل إبهارهم بتغيير المشاهد المعروضة أمام أعينهم، لتتجدد الحكايات والصور في كل مرة.
يمثل هذا الصندوق جزءًا من رحلة فنية وبحثية امتدت على مدار عشرين عامًا من حياة ناجي، إذ يعد أحد مكونات رسالة الماجستير الخاصة به، والتي تقوم على توظيف الفنون البصرية التراثية ودمجها بحكايات الموروث الشعبي، مع الاستفادة من تقنيات المسرح والسينما البصرية لإعادة إحياء هذه الحكايات وتقديمها في صور متنوعة تناسب فئات عمرية مختلفة.

واختار ناجي أن يشارك الجمهور هذا الجزء من رحلته ضمن فعاليات مبادرة شارع الفن، التي أطلقها رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي بشارع الشريفين في منطقة وسط البلد بالقاهرة خلال شهر مايو الماضي كفاعلية فنية مستمرة، لتصبح تجربته مساحة مفتوحة تلتقي فيها الذاكرة الشعبية بالتقنيات البصرية الحديثة أمام جمهور الشارع.
رحلة بين الفنون البصرية والتراث الشعبي
لا يرى ناجي الصندوق مجرد وسيلة للعرض، بل يعتبره خلاصة سنوات من البحث والتجريب ومحاولة إيجاد صيغة تجمع بين التراث والتكنولوجيا. وبينما يتابع الأطفال وهم يتزاحمون أمام الصندوق، يشرح: "الفكرة جاءت من شغفي بالفنون التراثية الشعبية ورغبتي في إعادة تقديمها بشكل معاصر يجذب الأجيال الجديدة".
يضيف: "المشروع يعتمد على الدمج بين الفنون البصرية وتقنية المنظور المسرحي، وهي تقنية كانت تُستخدم في المسارح القديمة لإظهار الشخصيات وإخفائها عبر انعكاسات بصرية وأجهزة بسيطة، قبل أن تتطور مع الوقت لتسمح بظهور الشخصيات بصورة أقرب إلى الشكل ثلاثي الأبعاد".

انطلاقًا من هذا المنظور حاول ناجي توظيف هذه التقنية داخل قالب مستوحى من "صندوق الدنيا"، ذلك المسرح المصغر الذي كان ينتشر في الشوارع خلال القرن الماضي، ليقدم تجربة تجمع بين التراث الشعبي وأساليب العرض الحديثة.
أمام الصندوق، تجمع عدد من الأطفال في دائرة صغيرة، يحدقون في المشاهد المتحركة بتركيز شديد، ويحاولون فهم ما يحدث داخل المساحة الضيقة.
يتابع ناجي نظراتهم باهتمام، مؤكدًا أن الأطفال هم الجمهور الأساسي الذي يستهدفه المشروع: "أنا متخصص في فنون الطفل، وأرى أن الأطفال بحاجة إلى أنشطة متنوعة تجذب انتباههم وتشجعهم على المشاركة والتفاعل، خاصة في ظل استحواذ الهواتف الذكية على جانب كبير من وقتهم وتركيزهم".
نصف ساعة تكشف فضول الزوار
وجاءت مشاركة ناجي في مبادرة شارع الفن بعد تكليفه من إدارة أكاديمية الفنون بعرض مشروعه ضمن الفعاليات. ورغم سنوات العمل الطويلة على الفكرة، فإن هذه كانت المرة الأولى التي يخرج فيها المشروع إلى الجمهور بشكل مباشر. ويعترف بأنه شعر بقدر من القلق قبل العرض، متسائلًا عن مدى تفاعل الزوار مع التجربة، وما إذا كان الأطفال سيجدون فيها ما يجذبهم؟
لكن هذا القلق بدأ يتبدد سريعًا: "لا أنسى لحظة وقوف طفلة تبلغ من العمر عشر سنوات أمام الصندوق، إذ ظلت تتابع المشاهد المعروضة لمدة ثلاثين دقيقة متواصلة دون أن تغادر مكانها وكان تمسكها بالعرض مؤثرًا بالنسبة لي، فلم تكن مجرد مشاهدة عابرة، بل كانت إشارة واضحة إلى أن الفكرة نجحت في تحقيق هدفها؛ وهي أن تخطف انتباه الطفل وتدعوه إلى التفاعل مع التراث بطريقة مختلفة وممتعة".
خلال متابعة الطفلة للعرض، كان نادر ناجي يراقب المشهد من بعيد، ومع مرور الدقائق شعر بأن القلق الذي لازمه قبل المشاركة بدأ يتلاشى تدريجيًا: "في تلك اللحظة شعرت بسعادة كبيرة، ورغبة حقيقية في مواصلة المشاركة والاستمرار".
تجربة بصرية تستعيد انتباه الأطفال
ورغم تعدد اللحظات التي عاشها خلال مشاركته، فإن هناك موقفًا ظل عالقًا في ذاكرته أكثر من غيره. يتذكر لقاءه بعدد من أولياء الأمور الذين حرصوا على توجيه الشكر له بعد مشاهدة أطفالهم للعرض: "بعضهم أخبرني أنهم حاولوا مرارًا إبعاد أبنائهم عن الهواتف الذكية من خلال أنشطة مختلفة، لكن أغلب هذه المحاولات لم تحقق النجاح المطلوب، بينما وجدوا في الصندوق تجربة جديدة استطاعت أن تجذب انتباه الأطفال وتدفعهم للتفاعل والانشغال بشيء مختلف".
ومع استمرار مشاركته أسبوعًا بعد آخر، تحول الصندوق إلى محطة مميزة داخل شارع الفن، يتوقف عندها المارة بدافع الفضول، قبل أن يجدوا أنفسهم في رحلة بصرية تعبر بين الماضي والحاضر. ويرى ناجي أن التجربة تجاوزت مجرد عرض فني، واصفًا شارع الفن بأنه "حالة فنية مميزة تسهم في خلق مجتمعات إبداعية جديدة، وتتيح للفنانين عرض أعمالهم والتواصل المباشر مع الجمهور".
ثلاثة أيام من كل أسبوع يقضيها ناجي في شارع الشريفين، يمارس مشروعه الفني الأقرب إلى قلبه، محاطًا بالأطفال وفضولهم وأسئلتهم المتلاحقة. ويصف الأجواء هناك بأنها "مبهجة وخفيفة"، حيث تمتزج الألوان بالموسيقى والغناء والعروض الفنية في مساحة مفتوحة للجمهور.
وفي نهاية كل يوم، يغادر المكان وهو يحمل أمنية واحدة؛ أن تستمر مثل هذه الأنشطة الثقافية والفنية التي تجمع بين أشكال الإبداع المختلفة، وتمنح الفنانين والجمهور مساحة حرة للقاء والتفاعل في قلب القاهرة.