من مشروع تخرج إلى أثر فني.. "رحاب" توثق هُوية دار السلام عبر جدارية

كتب/ت مريم أشرف
2026-06-28 11:10:23

على وقع ضجيج الزحام وأبواق السيارات، تقف رحاب سيد، 22 عامًا من دار السلام بالقاهرة، أمام جدار مدرسة المعمارية الثانوية بنين بالقرب من كوبري دار السلام، ممسكة بريشتها لتبدأ تنفيذ جداريّة توثق ملامح الحي الذي تقطن به.

رحاب هي طالبة في كلية الفنون التطبيقية، وتعمل على مشروع تخرجها الذي يحمل عنوان: "هوية دار السلام المفقودة: كيف ابتلع العمران بساتين دار السلام؟"، ويجمع بين البحث الأكاديمي والتنفيذ الفني عبر رسم جداري في قلب الحي الذي نشأت فيه.

وتعود فكرة المشروع إلى طفولتها، حين بدأت تلاحظ اختفاء المساحات الخضراء تدريجيًا من المنطقة، مقارنة بما كانت تسمعه من روايات كبار السن عن طبيعة الحي في الماضي، حين كان يُعرف باسم "دار الطين" وتغلب عليه الأراضي الزراعية والبساتين قبل امتداده العمراني الحالي.

تعكس الجدارية ملامح حي دار السلام كما تتخيله رحاب قبل نحو 50 عامًا، إذ تتوسط الشمس تفاصيل اللوحة، بينما يحلق الحمام في السماء كرمز لانتشار تربيته بين أبناء الحي، وتظهر المساحات الخضراء الممتدة المزينة بأشجار النخيل، إلى جانب منازل صغيرة من الطين، في محاولة لاستعادة صورة الحي قبل التوسع العمراني الحالي.

إعادة مشهد المساحات الخضراء

تتخيل رحاب وهي طفلة تركض في مساحات خضراء كانت تسمع عنها أكثر مما تراها في الحي: "كانت أمي وجدتي تخبرانني إن الحي في الماضي لم يكن بهذا الشكل، وكان يضم مساحات خضراء وأشجارًا ممتدة"، قبل أن يعيدها صوت الشارع وأبواق السيارات إلى الواقع أمام المدرسة حيث تعمل على جداريتها.

تسعى رحاب، من خلال مشروع تخرجها إلى إعادة تصور شكل الحي قبل عقود، اعتمادًا على ما جمعته من حكايات عائلتها وجيرانها كبار السن، عن فترة كانت فيها المنطقة أكثر خضرة وهدوءًا، مع وجود مساحات زراعية وأشجار قبل التوسع العمراني.

وخلال بحثها وقراءتها عن تاريخ دار السلام والأحياء المحيطة، تعرّفت على التحول الذي شهدته المنطقة، بدءًا من انتقال بعض عمال مصانع حلوان إليها في سبعينيات القرن الماضي لقربها من أماكن عملهم، وهو ما ساهم مع الوقت في زيادة الكثافة السكانية وتراجع المساحات الخضراء لصالح العمران.

ورغم هذا التحول، تقول رحاب إنها مرتبطة بالحي بشكل شخصي: "أشعر أنني معتادة على تفاصيل الحي، حتى لو كان مزدحمًا وبسيطًا في الوقت نفسه، ولهذا اخترت تنفيذ جداريتي في منطقة كوبري دار السلام باعتبارها نقطة مرور رئيسية يمر بها عدد كبير من السكان يوميًا، كنت أريد أن يكون المكان واضحًا للناس، حتى يتمكن كل من يمر من رؤية الجدارية والتوقف أمامها قليلًا ليرى الحي بنظرة مختلفة".

الفن علاج التشوه البصري

في أثناء عمل رحاب على الجدارية، يمر أحد السكان بجانبها ويعلق قائلًا: "الرسم خسارة في دار السلام.. أنتِ بتعملي مجهود على الفاضي"، لتعلّق رحاب أن هذه الجملة دفعتها للتفكير في نظرة بعض الأهالي للحي، خاصةً مع ما يعانونه من نقص الخدمات والازدحام الشديد: "كان تعليقًا حزينًا، كأنهم لا يرون أن هناك مكانًا للفن أو للجمال في الحي، وكأننا نتعود على كل ما هو مشوه".

ورغم هذا الموقف، لم تتوقف رحاب عن استكمال عملها، بل كان تفاعل الأطفال محفزًا أساسيًا لها. وتوضح أنها خلال الرسم كان الأطفال يقتربون منها ويسألون عن فكرة اللوحة وعلاقتها بالحي، فكانت تشرح لهم بشكل مبسط ما جمعته خلال بحثها عن تاريخ دار السلام وتحوّلاته.

وتشير رحاب إلى أن ردود فعل الأطفال كانت لافتة، إذ بدؤوا يقارنون بين ما ترويه عن الحي في الماضي وبين شكله الحالي المزدحم، قبل أن يقول أحدهم: "أنا عايز أرجع الشجر والزرع ده للمكان"، بينما تحدث آخرون عن رغبتهم في تعلم الزراعة وإعادة الخضرة للمنطقة.

وتضيف رحاب أن الأطفال غادروا لاحقًا وهم مستمرون في الحديث عن الزراعة وشكل الحي القديم، مؤكدة أن هذا التفاعل كان بالنسبة لها مؤشرًا على نجاح التجربة، حتى قبل الانتهاء الرسمي من مشروع التخرج الذي تناقشه في نهاية العام الجاري. 

وتقول: "شعرت أنني تركت أثرًا حقيقيًا لديهم، ووثقت جزءًا من تاريخ الحي في لوحة بسيطة استخدمت فيها ألوان الأصفر والأخضر والأزرق، لتعبر عن الشمس والمساحات الخضراء والنيل كعناصر أساسية في هوية دار السلام".

تقترب رحاب من إنهاء جداريتها، تظل واقفة أمام الجدار تتأمل ما رسمته، وكأنها تحاول التأكد أن الصورة التي في خيالها عن الحي بدأت تأخذ شكلًا في الواقع حتى وإن كانت مجرد جدارية على سور مدرسة.