إحداها عن "محمد منير".. لوحات "طافش" في شارع الفن للمكفوفين (حوار)

أحمد سمير طافش في شارع الفن بأسوان

كتب/ت فاطمة محمد
2026-07-05 11:43:56

بين لوحات تجريدية تحمل أبعادًا فلسفية ونفسية، ونصوص مكتوبة بلغة "برايل" تتيح للمكفوفين التفاعل مع العمل الفني، يقدم الفنان أحمد سمير طافش تجربة بصرية وإنسانية مختلفة، تسعى إلى توسيع دائرة المتلقين وكسر الحواجز التقليدية بين الفن والجمهور في مبادرة "شارع الفن".

طافش، المولود عام 1982، يعمل في مجال الاتصالات البحرية بالميناء النهري في أسوان، لكنه في الوقت نفسه شق لنفسه مسارًا فنيًا قائمًا على التعلم الذاتي والتجريب المستمر. بدأت علاقته بالرسم منذ الصغر بمحاولات بسيطة، قبل أن تتطور مع الوقت إلى تجربة فنية أكثر نضجًا.

وفي هذا الحوار، يتحدث أحمد سمير طافش عن مشاركته بـ17 لوحة ضمن مبادرة "شارع الفن" التي أطلقتها وزارة الثقافة في يونيو الجاري كفعالية فنية مستمرة، وكواليس هذه التجربة، ورؤيته للفن كوسيلة للتواصل والتأثير المجتمعي، إلى جانب تفاصيل مشروعه الفني القائم على دمج التجريد مع البعد الإنساني.

  •  كيف جاءت مشاركتك في مبادرة "شارع الفن"؟

لم أكن أخطط للمشاركة من قبل، إذ كنت أُنتج أعمالي الفنية وأحتفظ بها في منزلي دون عرضها على الجمهور. لكن بالصدفة تعرفت على الفنانة التشكيلية مي عبد الهادي، التي شجعتني بشكل مباشر على المشاركة في مبادرة "شارع الفن"، وأصرت على أن أحضر لوحاتي وأعرضها. 

كما أن دعم القائمين على المبادرة وردود أفعالهم الإيجابية تجاه أعمالي منحاني دفعة كبيرة من الثقة، وشجعاني على خوض هذه التجربة وعرض أعمالي لأول مرة بهذا الشكل.

  •  كيف تقيّم دور المبادرات الفنية مثل "شارع الفن" في دعم الفنانين وإتاحة الفرص لهم؟

أرى أن المبادرات الفنية مثل "شارع الفن" تؤدي دورًا مهمًا للغاية في دعم الفنانين، خاصة الشباب، لأنها تتيح لهم فرصة عرض أعمالهم دون الحاجة إلى قاعات عرض أو تحمل تكاليف كبيرة. 

كما تمنح الفنان دفعة معنوية كبيرة، وهو ما حدث معي عندما شجعني القائمون على المبادرة فور مشاهدة أعمالي، بل واقترحوا أيضًا إمكانية إقامة معرض مستقل لي، إضافةً إلى ذلك، تتميز هذه المبادرات بكونها متاحة للجمهور بشكل مباشر في الشارع، ما يخلق تفاعلًا أكبر بين الفنان والمتلقي، ويسهم في تقريب الفن من الناس.

  •  يضم معرضك 17 لوحة فنية.. هل توجد فكرة أو رؤية مشتركة تربط بينها؟

اللوحات كلها تجمعها رؤية فنية واضحة تتمثل في الاعتماد على أسلوب "الظل والنور"، الذي يُعد العنصر البصري الأساسي في جميع الأعمال. كما حرصتُ في معظم اللوحات على دمج نصوص مكتوبة بطريقة "برايل"، بهدف خلق مساحة من التواصل والمشاركة بين المبصرين وغير المبصرين.

ورغم تنوع الموضوعات والرموز التي تتناولها اللوحات، فإنها تلتقي عند هذا الأسلوب البصري والفلسفة الإنسانية التي أسعى إلى التعبير عنها.

  •  تجربة توظيف طريقة "برايل" في لوحاتك لافتة ومختلفة.. كيف وُلدت هذه الفكرة وما الرسالة التي تسعى إلى إيصالها من خلالها؟

بدأت فكرة توظيف طريقة "برايل" في لوحاتي خلال فترة تعلمي لهذه اللغة، حيث راودني تساؤل بسيط: لماذا لا يستطيع الكفيف الاستمتاع باللوحة الفنية أو قراءة مضمونها كما يفعل المبصر؟ ومن هنا بدأت أبحث عن وسيلة تجعل العمل الفني أكثر شمولًا وقدرة على الوصول إلى الجميع.

كان هدفي الأساسي هو خلق حالة من الترابط والتواصل بين الكفيف والمبصر، بحيث يتمكن الشخص المبصر من رؤية اللوحة وفهم عناصرها البصرية، بينما يستطيع غير المبصر التفاعل معها من خلال النص المكتوب بطريقة "برايل". وبهذا تصبح اللوحة مساحة مشتركة للتواصل بين الطرفين.

  • ما الأسلوب الفني الذي اعتمدت عليه في تنفيذ لوحاتك المشاركة؟

اعتمدتُ في هذه الأعمال على أسلوب يجمع بين الفن التجريدي والتعبير الفلسفي والنفسي، مع توظيف التقنيات الرقمية، خاصة من خلال برنامج "الفوتوشوب"، الذي منحني مساحة أكبر للتحكم في التفاصيل وتطوير الأفكار بصريًا. 

ويُعد أسلوب "الظل والنور" الركيزة البصرية الأساسية لمعظم اللوحات، حيث حرصتُ على توظيفه لإبراز العمق والتباين داخل العمل الفني. 

  • تتضمن أعمالك رموزًا وشخصيات مثل محمد منير وجورج بهجوري.. ما دلالة هذه الاختيارات؟

جاء اختياري انطلاقًا من تقديري لقيمتهما الفنية الكبيرة، باعتبارهما من الرموز المؤثرة في أسوان ومصر بشكل عام. وقد حاولتُ من خلال هذه الاختيارات تقديم شخصيات لها تأثير حقيقي وتعبر عن مستوى رفيع من الفن والرقي.

فعلى سبيل المثال، في اللوحة الخاصة بمحمد منير، كان هدفي التعبير عن جماهيريته الواسعة ومكانته التي تتجاوز الحدود المحلية، وقدرته على توحيد الناس من خلال فنه وموسيقاه. لذلك وظفتُ عددًا من الرموز، مثل التاج الفرعوني وخريطة مصر، لإبراز هذه الدلالات داخل العمل الفني.

  •  تُعد لوحة "أزرق" من الأعمال المختلفة داخل المعرض.. ما الذي يميزها عن بقية اللوحات؟

أعتبر لوحة "أزرق" حالة خاصة ومختلفة عن باقي الأعمال في المعرض؛ لأنها العمل الوحيد المنفذ يدويًا بالكامل، بينما اعتمدت في بقية اللوحات على التصميم الرقمي باستخدام برنامج "الفوتوشوب".

اخترت اللون الأزرق وحده ليكون العنصر الأساسي في العمل، وكان ذلك قرارًا مقصودًا للتعبير عن حالة شعورية ونفسية محددة من خلال لون واحد، دون تشتيت بصري. كما تنتمي اللوحة بشكل واضح إلى الفن التجريدي الذي أستخدمه للتعبير عن أفكار ورؤى غير مباشرة.

  •  كيف استقبل الجمهور أعمالك خلال مشاركتك في "شارع الفن"؟ وهل يختلف هذا التفاعل عن جمهور المعارض التقليدية؟

كان الناس يتوقفون باستمرار أمام اللوحات ومن أكثر ردود الفعل تأثيرًا بالنسبة لي أن بعض الأشخاص تأثروا بالأعمال بشكل حقيقي؛ فهناك من قرر تعلم طريقة "برايل" بعد مشاهدة إحدى اللوحات.

كما أتذكر موقفًا لشخص وقف طويلًا أمام لوحة "أزرق" متأملًا تفاصيلها، وهو ما أكد لي أن الفن قادر على ملامسة أبعاد نفسية مختلفة لدى كل متلقٍ.

وبالتأكيد يختلف التفاعل في الشارع عن المعارض التقليدية؛ فالجمهور في المعارض يكون غالبًا محددًا ومهتمًا بالفن مسبقًا، بينما يضم الشارع فئات متنوعة من الناس، ما يجعل التفاعل أكثر عفوية وصراحة.

  •  بعد أن خرجت أعمالك من دائرة الاحتفاظ الشخصي إلى التفاعل المباشر مع الجمهور، كيف تنظر إلى مسارك الفني في المرحلة المقبلة؟

أنا أتعامل مع الفن باعتباره وسيلة للتعبير عما بداخلي من أفكار ومشاعر، وأنتج أعمالي دون التفكير المسبق في عرضها أو تسويقها.

لكن تجربة "شارع الفن" كانت نقطة فارقة بالنسبة لي؛ لأنها منحتني دفعة معنوية كبيرة وثقة أكبر في عرض أعمالي أمام الجمهور، خاصة بعد التشجيع الذي تلقيته من الفنانة مي وفريق العمل، وهو ما شجعني على الانتقال من مرحلة الاحتفاظ بالأعمال إلى مشاركتها مع الآخرين.