بين لوحات الفنانين.. "حياة" أصغر موهبة ترى النور في "شارع الفن"

تصوير: مريم أشرف - حياة أصغر موهبة في شارع الفن

كتب/ت مريم أشرف
2026-06-07 16:54:25

مع دقات الساعة الثانية عشرة ظهرًا، تصل لوجين كامل برفقة ابنتها حياة نور الدين، 9 سنوات، إلى ميدان طلعت حرب في قلب وسط البلد. تمسك الصغيرة بيد والدتها، بينما تحمل في يدها الأخرى حقيبة صغيرة تفيض بالألوان وأدوات الرسم، وعيناها تتجولان في المكان بفضول ممزوج بالحماس، بحثًا عن شارع "الشريفين" الذي تُقام فيه مبادرة شارع الفن.

وسط لوحات معلقة على جانبي الشارع، وألوان تتناثر كأنها تحكي حكايات أصحابها، جلست حياة إلى جوار والدتها، الطبيبة التي جاءت اليوم لا بصفتها المهنية؛ بل كأم قررت أن تمنح ابنتها مساحة لتعلن عن موهبتها للمرة الأولى، انهمكت الطفلة في رسم "الوشق المصري"، ذلك القط الذي يحمل رمزية خاصة في الثقافة المصرية القديمة.

شارع الفن

لم تكن حياة مجرد مشاركة عابرة بين العارضين، بل كانت أصغر المشاركين في المبادرة، وبينما كان عدد من زوار المعرض يتوقفون حولها، يتأملون لوحتها ويتابعون تفاصيلها، كانت والدتها تروي بابتسامة يغلب عليها الفخر أنها قررت خوض هذه التجربة لتشجيع ابنتها على عرض فنها أمام الجمهور للمرة الأولى، إيمانًا منها بأن الموهبة تحتاج فقط إلى من يفتح لها الباب.

وخلال الأيام الأخيرة من شهر مايو، أطلق رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفى مدبولي، مبادرة "شارع الفن" خلال جولته بمنطقة وسط البلد، لتتحول إلى مساحة مفتوحة للعروض الفنية المستمرة، بالتعاون مع محافظة القاهرة وأكاديمية الفنون، والمستمرة إلى الآن.

"كورونا".. بداية الموهبة

تعود حكاية حياة مع الرسم إلى عام 2020 مع اجتياح فيروس كوفيد-19 للعالم، وكانت الطفلة لم تتجاوز الثالثة من عمرها، توقفت عن الذهاب إلى الروضة، وانقطعت عن تمارينها الرياضية، وفي تلك اللحظة، قررت والدتها ملأ فراغها بالأنشطة الفنية.

تروي والدتها تلك البداية: "كنت بحاول أخليها تجرّب أكتر من حاجة مرتبطة بالفن، لحد ما لاحظت إنها كل مرة بترجع للرسم، وتقضي ساعات طويلة ماسكة الألوان ومندمجة جدًا". شيئًا فشيئًا، لم يعد الرسم مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل تحول إلى مساحة خاصة لحياة، تعبر فيها عن نفسها بطريقتها الصغيرة.

شارع الفن

ومع مرور السنوات، نمت موهبة الطفلة تدريجيًا، مدفوعة بدعم أسرتها. إلى جانب تشجيع والدتها، وجدت في خالتها، التي درست الفنون الجميلة، سندًا فنيًا ساعدها على تطوير أدواتها وصقل مهاراتها: "بدأت أشوف تغيير كبير في شخصيتها.. بقت أهدى، مخاوفها قلت، وبقت منطلقة أكتر وسط الأطفال، ومتعاونة بشكل واضح".

ولم يقتصر دعم لوجين على توفير الأدوات أو التشجيع المعنوي، بل حرصت على تنمية المخزون البصري لدى ابنتها، فاصطحبتها إلى المتاحف والمعارض وأماكن مختلفة بالقاهرة، لتتعرف على عوالم بصرية جديدة. وكان للمتحف المصري الكبير أثر خاص على الصغيرة، إذ انبهرت بتفاصيله وكنوزه، ووجدت فيه مصدرًا للإلهام انعكس لاحقًا على رسوماتها.

المشاركة في شارع الفن

وعن تجربة المشاركة في مبادرة شارع الفن، تؤكد والدتها أنها حرصت على أن تعيش حياة تجربة الاحتكاك المباشر بالجمهور، وأن ترى بنفسها ردود فعل الزوار على لوحاتها، لتشعر بقيمة ما تقدمه وتكتسب ثقة أكبر في موهبتها. 

تقول والدتها: "حرصت على تنسيق مواعيد امتحاناتها مع جلسات الرسم حتى تتمكن من الانتهاء من لوحاتها في الوقت المناسب، واختارت بنفسها فكرتي اللوحتين؛ الأولى عن الوشق المصري، باعتباره رمزها المفضل في الحضارة المصرية القديمة، والثانية عن برج القاهرة، المكان الأقرب إلى قلبها بين معالم العاصمة".

تقول لوجين إنها تشعر بفخر كبير بابنتها، وترى أن هذه الخطوة قد تكون بداية طريق طويل لموهبتها، مضيفة: "أتمنى أشوف لوحاتها النهارده في شارع الفن، وبكرة في أكبر معارض العالم". وتوجه رسالة للأمهات بضرورة الاهتمام بتنمية مهارات أبنائهن، مؤكدة أن الفن يسهم في بناء شخصية متوازنة.

وخلال المعرض، كان بعض الزوار يتوقفون أمام لوحاتها ويسألونها بدهشة: "أنتِ صاحبة اللوحات؟"، فترد بابتسامة هادئة: "أنا اللي رسمتها وماما ساعدتني"، جملة تكررها حياة تلقائيًا كلما سُئلت عن لوحاتها، في انعكاس واضح لتقديرها لدعم والدتها، بينما تقف لوحاتها معروضة وسط أعمال عدد كبير من الفنانين المشاركين.