تُعد أزمة الإيجار القديم في مصر من أكثر القضايا إثارة للجدل واحتكاكًا مباشرًا بالشارع، وسط انقسام حاد بين ملاك يشعرون بأن ممتلكاتهم تُستنزف دون عائد حقيقي، ومستأجرين يرون في تعديل القانون تهديدًا مباشرًا للاستقرار والسكن.
وبالأمس، صدّق الرئيس عبدالفتاح السيسي، نهائيًا على قانون الإيجار القديم، وهي المحطة التشريعية الأخيرة للقانون، التي بناءً عليها تبدأ لجان من المقرر إنشاؤها حصر أعداد الوحدات المؤجرة، وتنفيذ مسح ميداني لتقدير القيمة الإيجارية على أن تُنهى العقود بالكامل بعد مرور 7 سنوات من سريان القانون.
ومع هذا التعقيد المتزايد، تبرز الحاجة لفهم أعمق لجذور الأزمة، ومناقشة الحلول الممكنة التي توازن بين الحقوق وتراعي البعد الاجتماعي، في هذا الحوار، يقدّم يحيى شوكت، الباحث والمحلل لسياسات الإسكان والعمران قراءة تحليلية تفتح نوافذ جديدة حول مصير أصحاب الإيجارات وتوقعاته للمرحلة المقبلة.
- بعد تصديق الرئيس على القانون في رأيك ما التداعيات العمرانية المتوقعة؟
في حال تطبيق الإخلاءات وفق المدى الزمني المقترح، من المتوقع أن يشهد النسيج العمراني ضغطًا غير مسبوق، خاصة في المناطق ذات الكثافة المتوسطة، والعائلات التي تسكن في وحدات بمناطق متميزة قد لا تستطيع مواكبة ارتفاعات الإيجارات الجديدة، ما يدفعها للانتقال إلى مناطق أقل جودة، لتتوالى بذلك موجات النزوح من شريحة إلى أخرى.
هذا التزاحم يُنتج تأثيرًا تسلسليًا، السكان في المناطق المتوسطة يتجهون بدورهم إلى المناطق الطرفية أو الأقل من حيث مستوى الخدمات، في حين لا تجد الفئات الأكثر فقرًا أمامها خيارًا سوى البناء غير الرسمي لحل أزمة السكن، مما يُعيدنا إلى دائرة عمرانية مغلقة من التحول العشوائي في السكن وتراجع الجودة الحضرية.
كما تبرز مشكلة "الوحدات المغلقة" كأثر جانبي مباشر، إذ يتجه بعض الملاك إلى ترك الوحدات دون إشغال حقيقي، انتظارًا لفرصة بيع أفضل أو تجنبًا للتأجير بشروط السوق، وهو ما يخلق فجوة واضحة بين المعروض والمتاح فعليًا من السكن.
من جهة أخرى، من غير الواقعي الحديث عن بديل فوري عبر الإسكان الاجتماعي، إذ أن الوحدات المتاحة من الدولة لا تتجاوز جزءًا يسيرًا من عدد وحدات الإيجار القديم، التي تتخطى 3 ملايين وحدة، هذا يتطلب مضاعفة غير مسبوقة في معدلات البناء خلال السنوات السبع المقبلة، وهي مهمة صعبة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
- وماذا عن الآثار الاجتماعية والنفسية المحتملة بعد الإخلاء؟
الأثر الاجتماعي المباشر هو تغير التركيبة السكانية لكل منطقة بشكل عشوائي وغير مدروس، تنقل الأسر من مناطقها الأصلية يؤدي إلى فقدان المجتمعات المحلية توازنها الاقتصادي، وتُغلق مشروعات صغيرة وتنهار أنشطة تجارية كانت قائمة على وجود سكان مستقرين، خاصة في المناطق التي ستُترك فيها وحدات مغلقة دون إشغال بديل سريع.
أما الأثر الأعمق يقع على الفئات الهشة، وتحديدًا كبار السن، الذين يشكّلون نسبة كبيرة من مستأجري الإيجار القديم، هؤلاء لا يناسبهم منطق "السكن البديل"، لا صحيًا ولا نفسيًا، بسبب ارتباطهم بالمكان، واعتمادهم على دوائر دعم اجتماعي وخدمات قريبة من منازلهم.
كما أن الانتقال إلى مناطق بعيدة عن العمل أو المدارس يفرض أعباء مالية إضافية على الأسر، ويزيد من تكلفة النقل، مما ينعكس على نمط الإنفاق اليومي، هذه التغيرات مجتمعة قد تدفع شرائح واسعة إلى أزمات نفسية واقتصادية، لا سيما في ظل أزمة اقتصادية أوسع يمر بها المجتمع بالفعل.
- في رأيك ما الإشكالية الأساسية في مشروع قانون الإيجار القديم بصورته الحالية؟
الإشكالية الرئيسية أن مشروع القانون ينحرف عن مضمون حكم المحكمة الدستورية العليا، الذي ركّز على عدم دستورية تثبيت القيمة الإيجارية، صحيح أن تثبيت الإيجار منذ أكثر من 40 عامًا أفقده قيمته الفعلية في ظل التضخم العقاري، لكن المشكلة تكمن في تعميم المعالجة على جميع العقود القديمة بنفس الآلية، دون تفرقة في السياق الاجتماعي والاقتصادي.
الأخطر من ذلك هو النص على إنهاء العقود وإخلاء الوحدات بعد سبع سنوات، ما يعني إخلاء جماعي محتمل في عام 2032، وهو ما يشكّل تهديدًا حقيقيًا للسكن الآمن ويخلق أزمة عقارية ومجتمعية واسعة وموجات نزوح غير مسبوقة، خصوصًا لكبار السن والأسر المستقرة منذ عقود.
جدير بالذكر أن دولًا أوروبية واجهت تحديات مشابهة في سياق التحولات النيوليبرالية (تبني سياسة اقتصادية تقلل من دور الدولة وتزيد من دور القطاع الخاص قدر المستطاع)، لكنها اتبعت نهجًا مختلفًا؛ إذ سمحت بتحرير عقود الإيجار الجديدة بما يتماشى مع توجهات السوق والدولة، لكنها أبقت العقود القديمة دون تغيير، حرصًا على الاستقرار الاجتماعي.
- كيف تنظر إلى قضية الإيجار القديم من منظور الحق في السكن؟
قضية الإيجار القديم ترتبط بشكل مباشر بالحق في السكن، وهو حق دستوري وفق المادة 78 من الدستور المصري، تاريخيًا، صدر قانون الإيجار القديم عام 1947 كرد فعل على أزمة سكن نتجت عن الحرب العالمية الثانية، وكان يستهدف في الأساس الطبقة الوسطى التي فقدت مساكنها خلال تلك الفترة، فوفّر لها حماية سكنية مستقرة لعدة عقود.
لاحقًا، ومع اتساع أزمة السكن، اتجه الفقراء إلى البناء غير الرسمي، وفي الثمانينيات والتسعينيات، ظهر نظام "خلوّ الرجل" كحل وسطي، وكانت قيمته المالية وقتها تعادل ثمن عقار كامل في أحياء متوسطة أو شعبية، مما يعكس حجم التنازلات والتسويات التي حدثت ضمن منظومة الإيجار القديم.
ثم جاء قانون الإيجار الجديد في 1996، وخلق انقسامًا تشريعيًا واضحًا، إذ باتت مصر تعمل بنظامين متناقضين لحيازة الإيجار، وهذا التباين أدّى إلى خلل كبير في المنظومة العقارية ككل.
من هنا، فإن النقاش حول الإيجار القديم لا يجب أن يُعزل عن تقييم شامل لقانون الإيجار الجديد أيضًا، لأننا بصدد أزمة أوسع تتطلب حلولًا متكاملة، تضمن حق السكن، وتحمي الاستقرار الاجتماعي، وتستعد لاستيعاب السكان الذين قد يتأثرون بإخلاءات قادمة.

- ماذا عن الأحياء الشعبية مثل دار السلام التي تعج بالإيجار القديم هل تصبح مهددة بخلل عمراني؟
المؤشرات بالفعل مثيرة للقلق، لأن حي دار السلام يضم قرابة 50 ألف عقد إيجار قديم، وهو الأعلى على مستوى القاهرة، ما يجعله أكثر الأحياء عرضة لتداعيات إنهاء هذه العقود، لذا قد تتغير طبيعة الأنشطة الاقتصادية داخل الحي، ومع ذلك، فإن انتقال السكان من حي إلى آخر ليس حلًا حقيقيًا للمشكلة، بل تفريغ تدريجي للحي من ملامحه الاجتماعية والاقتصادية.
ما موقف مرصد "10 طوبة" من مشروع القانون؟
قدّم المرصد مقترحين خلال مناقشة مشروعي القانون في مايو ويونيو الماضيين، الأول كان يخص تحليل المواد وإشكاليات التنفيذ، أما الثاني، صدر بعد تعديل مدة الإخلاء من 5 إلى 7 سنوات، واقترحنا فيه قصر التوريث على الجيل الأول فقط، مع الإبقاء على العقود لكبار السن لتجنّب الآثار النفسية والصحية للإخلاء.
كما اقترحنا تعديل الزيادات الإيجارية تدريجيًا حسب فئات القيمة الحالية، بحيث ترتفع الإيجارات المتدنية (6 - 25 جنيهًا) بمعدل أكبر، وطرحنا فكرة تقديم دعم نقدي مباشر من الدولة لتعويض الملاك.
لو كنت في موقع التشريع، كيف تضع تصورًا عادلًا لمعالجة أزمة الإيجار القديم دون الإضرار بالأطراف المختلفة؟
أرى أن العدالة تكمن في اتباع نهج تدريجي ومتوازن، يجمع بين الرؤية القانونية والحس الاجتماعي، البداية يجب أن تكون بالتعامل مع الوحدات المغلقة، في المرحلة الثانية، ينبغي إلغاء التوريث لعقود الإيجار لتجنب امتداد الأزمة أجيالًا، مع استثناء كبار السن لضمان الحد الأدنى من الأمان الاجتماعي.
أما الوحدات المأهولة التي تمثل حاجة حقيقية للأسر، يجب التعامل معها بحذر، وفقًا لحصر شامل ودقيق يتم قبل إقرار القانون، لضمان التقييم العادل لكل حالة على حدة.