يقف محمد عبد الله، 38 عامًا، من سكان حدائق المعادي، وسط "كراكيب" قديمة على سطح منزله، محاولًا تنظيف المكان والتخلص من الأشياء المتراكمة، لم يكن الهدف مجرد ترتيب السطح، بل تجهيز مساحة بسيطة بكراسي وجلسات متواضعة، ليحوّلها إلى مكان يستقبل فيه أصدقاءه لقضاء السهرة معًا، بعد أن غرقت الشوارع والمقاهي في الظلام مبكرًا، وتوقفت الحركة عقب الساعة التاسعة مساءً.
يستعيد عبد الله هذا المشهد إذ إن الظلام المفاجئ يعيده إلى أيام الحجر الصحي خلال جائحة كورونا عام 2020، حين كانت الشوارع تخلو من المارة وتختفي الحركة ليلًا. ويضيف: "الحالة نفسها عادت من جديد، نفس شعور الظلام وخلو الشوارع من الحركة، والبحث عن منفذ لأجل الترفيه".

الظلام يعيد ذكريات كورونا
في 28 مارس الماضي، طبقت الحكومة المصرية "خطة ترشيد الاستهلاك"، التي تعتمد على غلق المحال التجارية في الساعة التاسعة مساءً، قبل أن يعلن رئيس مجلس الوزراء مد مواعيد الغلق إلى الساعة الحادية عشرة مساءً، إلى جانب تخفيض إضاءة الطرق والشوارع، وتطبيق العمل من المنزل يوم الأحد من كل أسبوع.
مع هذا الإغلاق المبكر شهدت الحياة اليومية للمواطنين تحولات عديدة، بحثًا عن أوجه أخرى للترفيه غير التي اعتادوا عليها قبل أن يفرضها الإغلاق، فمع غلق المقاهي واختفاء السهرات التقليدية، بدأ البعض في ابتكار بدائل ترفيهية، سعيًا منهم للحفاظ على مساحات الترفيه المحدودة في نهاية يوم العمل، رغم تغير إيقاع الليل وتقلص الخيارات المتاحة خارج المنزل.
لم تعتد عاليا محمد، 34 عامًا، أن ينتهي يومها في التاسعة مساءً. ومع تغير إيقاع الليل، قررت الاشتراك في إحدى منصات العرض الرقمية مقابل 300 جنيه شهريًا، لتبدأ مشاهدة قائمة طويلة من الأفلام التي أجلت متابعتها لسنوات: "لم يكن أمامي سوى المنزل في ذلك الوقت مع بعض التسلية من الأفلام"، إذ اختارت استغلال هذا الشهر في مشاهدة هذه الأعمال برفقة أسرتها وأصدقائها داخل المنزل، خاصةً أنها تنهي عملها يوميًا في الثامنة مساءً، لتعود مباشرةً إلى البيت وتبدأ سهرتها أمام الشاشة.
شوارع خالية وسهرات مختلفة
ومع تكرار "سهرات السطح"، أصبح الأمر معتادًا لدى عبد الله، بعدما تقلصت الخيارات المتاحة أمامه، ولم يعد يجد بديلًا آخر لقضاء الوقت كما كان يفعل سابقًا، يقول: "في البداية كانت فكرة مؤقتة، لكن مع الوقت أصبحت عادة، وبدأنا نحاول ابتكار أي شكل من أشكال السهر، حتى بإمكانات بسيطة، فالمهم ألا نلغي هذا الوقت من يومنا".
الشعور نفسه تصفه عاليا بقولها: "أنا بكتشف حاجات جديدة في نفسي، مع كل مرة حظر أو كورونا أو خطة ترشيد استهلاك، وعلشان كده قررت أنا وأصحابي أننا مش هنلغي الساعة أو الساعتين ترفيه، ونقضي وقت حلو مع بعض بعد يوم صعب في الشغل بأي محاولة متاحة".
البحث عن ترفيه بعد التاسعة
وبالعودة إلى يوم 28 مارس، عاد عمرو تيسير، 29 عامًا، من سكان دار السلام، من عمله في الساعة التاسعة مساءً، متجهًا إلى حي المعادي للجلوس مع أصدقائه على المقهى الذي اعتادوا الاجتماع فيه يوميًا، لكنه فوجئ بظلام يخيّم على شوارع المعادي، لا يقطعه سوى أضواء الصيدليات، واصفًا المشهد بأنه مؤذٍ وكئيب، ليس للمعادي فقط، بل للقاهرة بأكملها.
يقول: "شعرت بحزن حين رأيت المقهى الذي اعتدت الجلوس عليه لسنوات مغلقًا، دون صوت أم كلثوم والشيشة في الخلفية"، مضيفًا أنه مع مرور الوقت بدأ يبحث عن أوجه أخرى للترفيه، مثل التمشية في الشوارع المظلمة ومراقبة المدينة وهي خالية من المارة.
المسار نفسه سارت فيه أمينة وحيد، 30 عامًا، من سكان حدائق المعادي، لكن بشكل أقرب إلى الاضطرار، إذ قررت نقل تجمع أصدقائها من المقهى إلى شوارع المعادي وزهراء المعادي. حوّلوا سياراتهم إلى مقهى صغير، بكراسي ومشروبات، فيما يطلق عليه البعض "سبوتية" أو نقطة تجمع، في مساحات مفتوحة بالشوارع.
تجلس أمينة حاليًا مع أصدقائها كل أسبوع في "سبوتية" بشوارع زهراء المعادي، وتضع في حقيبتها طعامًا سريع التحضير وبعض الألعاب الورقية، في محاولة للتحرر من مواعيد الغلق، وقضاء ساعات من الترفيه تساعدها على بدء أسبوع عمل جديد وتحمل ضغطه.
ومع حلول الساعة الحادية عشرة مساءً، تجلس عاليا لاستكمال مشاهدة فيلم من قائمتها، وعلى سطح منزل في حدائق المعادي، يجلس عبد الله وأصدقاؤه يتبادلون ذكريات الطفولة. في الوقت نفسه، وفي الخلفية، يخيم الظلام على شوارع القاهرة وأحيائها.