يُسدِل عيد الفطر الستار مُعلنًا نهاية شهر رمضان، 30 يومًا أعادت للجميع روح الشهر الفضيل، لكن الصورة كانت مختلفة بشارع الشنقراب في أسوان؛ تحول الشارع إلى لوحة فنية، زيّنت المحلات التجارية واجهاتها بالفوانيس الملونة والأضواء البراقة، وتحوّلت الحلويات الرمضانية الشهيرة؛ مثل الكنافة والقطائف، بترتيب جذاب لفت أنظار المارة، الأجواء مليئة بالبهجة والترقب، حيث تسابق الجميع لشراء مستلزمات الشهر من مواد غذائية وحلويات وزينة، ولن يختلف الأمر في عيد الفطر، من حيث البهجة والتجمعات، كذلك الزينة.
يرتبط شارع الشنقراب ارتباطًا وثيقًا بالحياة اليومية لأهل أسوان، إذ يشكّل محورًا حيويًا يربط بين المناطق السكنية والتجارية، متقاطعًا مع شارع الحدادين ومنطقة السوق التجاري غربًا، لينتهي عند تقاطعه مع شارع جامع الأحمدية شرقًا. هذا الامتداد لم يمنحه فقط موقعًا استراتيجيًا، بل جعله شاهدًا على تغيرات المدينة وتحولاتها، حيث ظل ينبض بالحركة والتجارة منذ عقود.
ويُعتقد أن اسم "الشنقراب" يعود إلى العهد العثماني، في إشارة إلى التأثير التركي على المدينة خلال فترات تاريخية سابقة، ما يعكس عمق التداخل الثقافي الذي ميّز أسوان عبر العصور.
محافظ أسوان بشارع الشنقراب أثناء حجر كورونا الصحي
لم يكن الشنقراب مجرد شارع، بل هو ذاكرة حيّة تسرد تاريخ أسوان بكل ما مرّ به من أحداث، ففي أبريل 2020، أثناء جائحة كورونا، عاش سكانه تجربة استثنائية عندما خضعت بعض مبانيه لإجراءات الحجر الصحي.
هذه اللحظة العصيبة لم تكن مجرد اختبارًا للتحديات الصحية، بل كانت شهادة حيّة على روح التكافل التي تميّز أهل الحي. ففي أوقات العزل، ظهر الجانب الإنساني لأبناء الشارع، حيث تكاتفوا لتوفير الاحتياجات الأساسية لمن فرض عليهم العزل، مؤكدين أن المحن تزيد المجتمعات تلاحمًا.
مع انطلاق خطط تطوير مدينة أسوان، شهدت العديد من الشوارع الرئيسية أعمال تحديث ورصف، مثل الشواربي الجديد وشرق البندر، في إطار جهود تحسين البنية التحتية وتخفيف الازدحام، ورغم أن شارع الشنقراب لم يكن بعيدًا عن هذه التغييرات، إلا أن سكانه لا يزالون يأملون في مزيد من الاهتمام ليواكب النهضة العمرانية، دون أن يفقد طابعه التاريخي الذي يميّزه عن غيره.
التحديث مطلوب، لكن الحفاظ على الروح الأصيلة للشارع لا يقل أهمية، خاصة أن الشنقراب ليس مجرد طريق، بل هو جزء من ذاكرة المدينة، يحمل بين زواياه قصص الحرفيين والتجار وأصحاب المحال الصغيرة، ويحتضن العلاقات الاجتماعية التي تربط الجيران ببعضهم.
زينة رمضان بشارع الشنقراب
لا ينظر أهل أسوان إلى شارع الشنقراب مجرد طريق، بل هو مسرح للحياة اليومية، حيث تتلاقى الطموحات، وتتشابك الأحلام، وكما يقول أحد سكانه: "هذا الشارع يشبه ذاكرة المدينة، فكل زاوية فيه تحكي قصة، وكل خطوة على أرضه تذكّرنا بماضينا".
وهكذا، يظل شارع الشنقراب شاهدًا على تحولات الزمن، محتفظًا بجذوره العريقة التي تربطه بتاريخ أسوان، بينما يتطلع سكانه إلى مستقبل أكثر إشراقًا، يوازن بين التطوير الحديث والحفاظ على الهوية التاريخية. إنه ليس مجرد اسم على خريطة المدينة، بل جزء من روحها النابضة، وحكاية لا تنتهي بين الماضي والحاضر.