عادة قد تبدو غريبة على أهل المدن، لكنها جزء لا يتجزأ من العيد في الريف بجنوب مصر، حيث لا ينفصل الفرح عن ذكرى، ولا تُنسى الأرواح في زحام التهاني.
منذ مئات السنين في قلب الصعيد، حيث تتشابك العادات مع الإيمان، تتوارث الناس الطقوس كما يتوارثون الأرض والاسم، وُلدت عادة زيارة المقابر والمعروفة بين الناس في القرى باسم "الطلعة"، تقاليد يُرجّح البعض أنها امتداد لعادات من العصر الفاطمي، فكان الخبز يُوزّع سُنّة في الأعياد، بينما يرى آخرون أن جذورها عثمانية، انتقلت مع الأتراك إلى مصر وامتزجت بطقوسها حتى صارت مصرية خالصة، لا يُفرقها الناس عن العيد نفسه.
ورغم مرور الزمن وتغير الأحوال، ما زالت زيارة المقابر حاضرة في قرى الصعيد من بينها نجع الشريفات ونجع الغوانم التابعين لقرية أدفا بمحافظة سوهاج، تلك النجوع شاهدة على وفاء لا يشيخ، تذكّر بأن العيد لا يكتمل إلا بالرحمة، وأن بين الأحياء والراحلين حبالًا من الذكرى لا تنقطع، وتؤكد روايات الأهالي أن زيارة المقابر لها أكثر من 170 عامًا، توارثتها العائلات جيلًا بعد جيل، كأنها جزء من النَسب لا يُفرّط فيه.
استعدادات الوقفة
في ليلة الوقفة، آخر ليالي رمضان، تنشغل البيوت بصنع كعك العيد وتجهيز ما يُعرف بـ"كيس الرحمة والنور"، كيس بسيط، لكنه عميق الدلالة، يحتوي الكيس على كعك أعده خصيصًا لزيارة المقابر، يختلف في شكله ومكوناته عن كعك العيد، مع قطع من عيش الفينو أو الكايزر، وأحيانًا فاكهة بسيطة مثل البرتقال أو الموز.
أغلب هذه الأكياس تُحضَّر داخل البيوت، بتكلفة لا تتجاوز 7 جنيهات للكيس الواحد، ويحرص الأهالي على تجهيز العشرات منها، رغم ضيق الحال، فأهالي النجع يرون أن الرحمة، لا تُشترى بثمن، والدعاء للراحلين خير ما يُقدّم في الأعياد.
ساحة حب
مع خيوط فجر أول أيام العيد، تنطلق القرية في مسيرة هادئة كبارًا وصغارًا يحملون أكياس الرحمة، ويتوجهون إلى المقابر، هناك تُوزّع الأكياس في سكينة، وتُقرأ الفاتحة، وتعلو همسات الدعاء في صمتٍ مهيب، كأن الأرض تُنصت.
تحكي أرزاق محمد ذو الـ41 عامًا من سكان نجع الشريفات فتقول: "احنا بقالنا أكتر من عشرين سنة مابنقطعش الطلعة، بنزور أمي وأبويا، وزوجي اللي راح بدري، العيد عندنا ما يبدأش غير بالدعاء والرحمة، مهما كانت الظروف".
أما نجوى فواز ذات الـ32 عامًا من سكان نجع الشريفات، تقول: "من بدري واحنا بنجهز الكعك المخصوص لزيارة المقابر، كعك الطلعة مش زي بتاع العيد، بسيط وبيتحط مع الفينو، وبنلفّ الأكياس، إحساس مفيش زيه".
كانت إيمان محمد ذات الـ28 عامًا من سكان نجع الغوانم، تعتقد أن زيارة المقابر عادة قديمة وليس لها أهمية، ولكن مع مرور الزمن تغيرت نظرتها، فتقول: "زمان كنت بفتكر الطلعة عادة قديمة ومش مهمة، بس لما كبرت فهمت إنها بتخلي العيد ليه طعم، بتربطنا بأهلنا اللي راحوا، و تحسسنا إنهم لسه معانا".
دور المرأة
لا يهتم عبد الحافظ السيد ذو الـ66 عامًا من سكان نجع الشريفات بهذه العادة، فيقول في حديثه "أنا بصراحة ما بتهتمش قوي بالحاجات دي، يعني بنروح مع الناس وخلاص، لكن السيدات عندنا هما اللي بيجهزوا كل حاجة، من الكعك للطلعة، بيهتموا كأنهم بيزوروا حد عايش، وبيعملوا كل حاجة بحب، إحنا الرجالة بنزور بس، أما السيدات هما اللي شايلين الطقس ده كله".
ولأن النساء في الريف يلعبن دور حارسات للذاكرة، يحملن طقوس الطلعة كما يحملن حكايات البيوت، في صمتٍ مليء بالحنين، يحفظن به للعيد ملامحه وللراحلين مكانهم في القلب.
تحكي أم صابر ذات الـ75 عامًا من سكان نجع الشريفات عن ذكرياتها مع زيارة المقابر، فتقول: "أنا بفتكر وأنا صغيرة كنا بنروح الطلعة مع أمي، وهي كانت بتحكيلي إن جدتها –جدة جدتي– كانت بتعمل الطلعة زمان، يعني بقالها أكتر من ١٧٠ سنة، وعمري ما شفت عيد من غيرها، لازم نزور ونوزّع وندعي".
وتحت ظل شجرة صغيرة في طرف المقابر، وقف الطفل يوسف ذو الـ7 سنوات من سكان نجع الغوانم، يتشبث بكيس الرحمة، ويقول بصوت خافت "أنا مش فاكر شكل أبويا قوي، بس فاكر إننا كل عيد نيجي نزوره، بحس إننا معاه لما نقرأ الفاتحة على روحه".