12 ساعة سُخرة.. شركات تستغل سنوات الشيخوخة في وظائف الخدمات المعاونة

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت مريم أشرف
2026-07-30 11:00:00

على كرسي متهالك، يجلس هشام محمود، 67 عامًا، عامل أمن بإحدى شركات التوصيل الخاصة، لمدة 12 ساعة متواصلة تبدأ من 12 ظهرًا حتى منتصف الليل، ولا يحصل سوى على يوم إجازة واحد أسبوعيًا، رغم معاناته من أمراض مزمنة.

هشام، الذي يقطن في منطقة حدائق المعادي، يعمل في هذه المهنة منذ ست سنوات، لم يجد مخرجًا اقتصاديًا سوى هذا العمل. فقد كان عامل بناء لسنوات، دون تأمين اجتماعي، ومع بلوغه سن التقاعد، لم يتمكن من توفير دخل كافٍ لأسرته المكونة من خمسة أفراد، بينهم طفل لا يزال في المرحلة الإعدادية، يحتاج إلى مبالغ كبيرة لتغطية تكاليف تعليمه وتغذيته. 

لذلك، قرر اللجوء إلى هذه المهنة، وتعرف عليها من خلال مجموعات "فيسبوك"، عبر إعلان يحمل كلمات مثل: "لو فوق الـ60 ومش لاقي شغل". كان الإعلان لإحدى شركات التوصيل الشهيرة.

تمثل ظروف العمل التي يواجهها هشام مخالفة لأحكام قانون العمل المصري رقم 14 لسنة 2025، إذ تنص المادة 119 على تنظيم ساعات العمل وفترات الراحة بما لا يجعل المدة بين بداية ساعات العمل ونهايتها تتجاوز عشر ساعات يوميًا، مع احتساب فترات الراحة ضمن ساعات التواجد.

يعاني كبار السن ممن تجاوزوا سن المعاش والعاملين في شركات خاصة بوظائف تُصنَّف ضمن "خدمات المعاونة" من ظروف عمل شاقة تتسم بساعات عمل طويلة، وأجور متدنية، وغياب للعقود والتأمينات؛ ويؤكد عاملون أن بعض الشركات تستفيد من حاجتهم إلى مصدر دخل بعد التقاعد، لذا تفرض عليهم نوبات عمل ممتدة بلا حقوق.

ويُقصد بعامل المعاونة العامل الذي يؤدي مهامًا ضمن الخدمات المساندة، وتشمل أعمال النظافة والحراسة وخدمة المكاتب وغيرها من الأعمال البسيطة التي لا تتطلب سوى قدر محدود من المجهود البدني.

- تنص المادة 83 من الدستور المصري على حقوق المسنين بجميع جوانبها "تلتزم الدولة بضمان حقوق المسنين صحيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا، وثقافيًا، وترفيهيًا وتوفير معاش مناسب يكفل لهم حياة كريمة".

أجور غير آدمية 

يحصل هشام على راتب 5 آلاف جنيه شهريًا، يصرف منهم ألفين على الأمراض المزمنة التي يعاني منها، إذ إنه لا يملك تأمينًا صحيًا، ولجوؤه للمستشفيات الحكومية كان يتطلب انتظار لساعات طويلة، لا تتناسب مع ساعات عمله التي تلتهم يومه.

في ظروف قاسية مشابهة لهشام، يحصل محمد مختار على 6 آلاف جنيه، مقابل عمله في تأمين شركة عقارات خاصة، ورغم وصوله لعمر 58 عامًا، لم يجد فرص عمل أخرى بعد إنهاء خدمته، بسبب إغلاق الشركة التي عمل بها كعامل مكتب، لمدة 15 عامًا، لكنها أغلقت في 2020،  بسبب تداعيات جائحة كوفيد-19 "فيروس كورونا".

بدأ محمد العمل في هذه الشركة قبل خمس سنوات براتب بلغ 2000 جنيه، ثم ارتفع تدريجيًا إلى 6000 جنيه، لكنه لا يزال أقل من الحد الأدنى للأجور المقرر للعاملين بالقطاع الحكومي، والبالغ 8000 جنيه وفق قرار الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، والمقرر تطبيقه في يوليو المقبل. 

وعندما ناقش مديره المسؤول عن الأمن بشأن إمكانية زيادة راتبه، معتبرًا أن 6000 جنيه لا تكفي، جاءه الرد: "أنت بتشتغل هنا علشان أنت راجل كبير في السن ومش هتلاقي شغل بسهولة، مش عجبك الـ6000 جنيه".

- بلغ عدد كبار السن في مصر من الفئة العمرية 65 عامًا فأكثر نحو 9.8 مليون شخص عام 2025، بما يمثل 9.1% من إجمالي السكان، مقارنة بنحو 9.3 مليون مسن عام 2024 بنسبة 8.8% من إجمالي السكان. فيما بلغ عدد المسنين الذكور 4.8 مليون مسن، بنسبة 8.5% من إجمالي السكان الذكور.

خلال إعداد هذا التقرير تواصل"صوت السلام" مع 15 عاملًا\عاملةً بالخدمات المعاونة، في جهات وشركات وهيئات متعددة، وكان أغلبهم فوق سن الـ 58 عامًا، وأجاب أغلبهم أنه يتقاضى أقل من الحد الأدنى للأجور، بينما يعملون بين 9 و12 ساعة يوميًا. 

ورطة قانونية

لم توقع شريفة عثمان، عاملة معاونة، عقد عمل، رغم أنها تعمل منذ 7 سنوات، كعاملة نظافة و"بوفيه" في إحدى شركات التأمين الخاصة. ما يقلقها هو أنها قد تفقد عملها فجأة، خصوصًا بعد أن تجاوزت الـ 63 عامًا، حيث تقل فرص العمل المتاحة لها. تتقاضى شريفة راتبًا قدره 3000 جنيه، لكن مصدر قلقها الدائم هو عدم وجود عقد يضمن لها الأمان الوظيفي.

- وفقًا لقانون العمل المصري، تنص المادة 171 على أن سن التقاعد هو 60 عامًا، مع أحقية العامل في الحصول على التأمين الاجتماعي والمعاش. كما تنص المادة 172 على صرف مكافأة نهاية الخدمة بواقع نصف شهر عن كل سنة عمل، وذلك وفقًا لأحكام تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة المنصوص عليها في قانون التأمين الاجتماعي.

يصف محمود الروبي المحامي الحقوقي،ـ أزمة شركات الخدمات المعاونة -شركات الأمن والتنظيف والبوفيه- بأنها تتمثل في تعاقد شركة من باطن شركة، حيث يتم توفير قوى عاملة تقدم هذه الخدمات لشركة أخرى. وبالتالي، لا يوجد ما يحمي حقوق الموظفين في تلك الشركة الأخرى، كما لا يوجد مديرون من شركة الخدمات يشرفون على العمل أو يقدمون دعمًا وحماية للموظفين.

محمود الروبي المحامي الحقوقي

 

إضافةً إلى ذلك، لا تتوفر عقود عمل في بعض الشركات. وفي حالة التفتيش على الشركة التي تتلقى هذه الخدمات، لا يستطيع مكتب العمل فحص أوراق الشركات التي تقدم الخدمات، لأنها ليست معنية بإجراء فحص لشركة بعينها.

تستمر شريفة في العمل بهذه الوظيفة؛ لأنه ليس أمامها فرصة أخرى، تحلم بعقد عمل سنوي، بينما يعتقد هشام أن لا مفر من هذه المهنة، حيث لا دخل آخر لأسرته، بينما يفكر محمد في كيفية زيادة دخله، من خلال عمل إضافي، لكن ليس أمامه ساعات إضافية بعد 12 ساعة عمل يوميًا. 

فساد اقتصادي 

يقول الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، إن العاملين بهذا المجال يلجأون له نظرًا لظروفهم المعيشية السيئة، وفئتهم العمرية، إذ اعتبر النحاس هذه الأعمال تمثل استغلالًا لكبار السن، لأن الشركات تختارهم نظرًا لظروفهم، مقابل تقديم أجر أقل، مقارنةً بالأجر الذي يحصل عليه العاملون في هذا المجال، وعدم تقديم تأمين اجتماعي وصحي لهم، مما يتسبب في فساد اقتصادي. 

الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي

وفي العام الماضي، أصدر مجلس النواب قانون رعاية حقوق المسنين، الذي يكفل حقوق فوق الـ65 عامًا، حسب تعريف القانون، حتى تتوفر لهم حياة اقتصادية، اجتماعية وصحية جيدة، ورغم عدم إشارة القانون إلى موقف عمل هذه الفئة العمرية، إلا أنه يشير بشكل واضح إلى ضرورة حماية كبار السن من خلل في جوانب حياتهم وحمايتهم بين أسرهم أو في دور الرعاية. 

وفي واقع هذه الوظائف مقارنة بالقانون، يكمل النحاس لـ "صوت السلام" أن على الجانب الوظيفي، كبار السن لا يقومون بأعمال الحراسة أو التنظيف، أو البوفيه بشكل جيد، بسبب طبيعة أعمارهم ومشكلاتهم الصحية، فهم غير مدرَّبين على حالات الطوارئ في تلك الوظائف، وذلك خلل وظيفي.

يضيف النحاس: "الخلل الاقتصادي أن تظل تلك الأسر في حالة معيشية سيئة، معرضة للفصل التعسفي، مما يؤدي إلى خلل اجتماعي لهم ولأسرهم"، ويختتم حديثه مؤكدًا أنه استغلال لكبار السن من قبل القائمين على شركات الخدمات المعاونة، لتقديم أجر أقل لهم.

ورغم مرور عامين على صدور قانون حماية حقوق المسنين رقم 19 لسنة 2024، فإن لائحته التنفيذية لم تصدر حتى الآن، ما حال دون تفعيل عدد من الضمانات والحمايات التي نص عليها القانون للمسنين. 

وفي مارس الماضي تقدم النائب محمد تيسير مطر، عضو مجلس النواب بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزيرة التضامن الاجتماعي، بشأن عدم صدور اللائحة التنفيذية لقانون رعاية المسنين حتى الآن، رغم انتهاء المدة المحددة لإصدارها في أكتوبر 2024.

ورغم تعدد النصوص القانونية التي يفترض أن توفر الحماية لكبار السن، يظل واقع كثير من عمال خدمات المعاونة بين الحاجة إلى العمل والاستغلال.

جميع الأسماء المذكورة في هذا التقرير، مستعارة بناءً على طلبهم\هن وحفاظًا على هويتهم\هن