موت على نفقة الدولة.. تأخير قرارات العلاج يهدد حياة مرضى أورام هرمل

تصوير: مريم أشرف - مركز أورام هرمل

كتب/ت مريم أشرف
2025-11-11 19:04:55

لم تتخيل دينا حسن، 33 عامًا، أن اللحظة التي دخلت فيها والدتها "هدى" غرفة الأشعة في مستشفى دار السلام للأورام، ستكون المرة الأخيرة التي تراها فيها على قيد الحياة. 

دقائق قليلة فصلت بين انتظارها أمام الباب وخروج زوجها ليخبرها بأن والدتها توفيت، تجمدت دينا في مكانها تحدق في الجدران التي شهدت شهورًا طويلة من رحلة علاجٍ مؤلمة، زادها قسوة تأخر قرارات العلاج على نفقة الدولة.

بدأت رحلة هدى، السبعينية، في ديسمبر الماضي بعد تشخيصها بسرطان الثدي، حيث خضعت لجلسات علاج كيميائي استمرت لأشهر قبل أن ينتشر المرض إلى العظام والرئة، فانتقل الأطباء إلى بروتوكول العلاج الهرموني بمستشفى هرمل، ولكن منذ أبريل الماضي، واجهت هدى صعوبة في الحصول على موافقات العلاج على نفقة الدولة، مما أدى إلى حرمانها من العلاج منذ سبتمبر وتدهورت حالتها الصحية حتى فارقت الحياة في 3 أكتوبر الماضي.

رفض الجلسات ونقص الأدوية 

هدى ليست استثناء، إذ يعاني مرضى الأورام بمستشفى هرمل من تأخير في الحصول على موافقات العلاج على نفقة الدولة، منذ أن وقع وزير الصحة والسكان، خالد عبد الغفار، في فبراير الماضي، على عقد إدارة وتشغيل وتطوير مركز أورام هرمل من قبل إدارة المعهد الفرنسي "جوستاف روسيه"، لمدة 15 عامًا، تؤدي تلك التأخيرات إلى حدوث مضاعفات للمرضى بسبب عدم صرف الأدوية أو الحصول على العلاج الكيميائي في ظل غياب رقابة وزارة الصحة.

يأتي العقد ضمن قانون رقم 87 لسنة 2025، الذي يسمح بمنح التزامات المرافق العامة للمستثمرين لإنشاء أو إدارة وتشغيل وتطوير المنشآت الصحية، مع ضمان استمرار تقديم خدمات الصحة العامة والوقائية والإسعافية مجانًا للمواطنين.

بموجب الشراكة، تحصل وزارة الصحة على 3% من إيرادات المستشفى خلال السنوات الخمس الأولى، وترتفع إلى 5% لاحقًا، بينما يُخصص 70% من الأسرّة لمرضى الأورام على نفقة الدولة أو التأمين الصحي، و30% المتبقية للشركة المشغلة بأسعار استثمارية.

ورغم كون العلاج على نفقة الدولة، طالبت المستشفى أسرة هدى بدفع 160 جنيهًا مقابل تحاليل أجرتها هدى في 24 سبتمبر، وحصلت "صوت السلام" على نسخة من إيصال الدفع.

وبحسب شكاوى المرضى لـ"صوت السلام"، فإن أبرز الأدوية الهرمونية والمسكنات تتأخر موافقات صرفها، إضافة إلى الحقن المكملة لبروتوكولات العلاج، مثل حقنة "الزوميتا" الضرورية لرفع مستوى الكالسيوم في العظام المتأثرة بالعلاج الكيميائي.

نقص الموافقات يعرقل علاج الأورام

قبل ذلك، مرت دنيا بمحطات عديدة، تحكي: "طلب الطبيب من والدتي إجراء أشعة رنين على الرقبة، وتقدمت بطلب إلى المستشفى والمجالس الطبية للحصول على موافقة لإصدار قرار العلاج على نفقة الدولة، لكنه رُفض من الجهتين، بسبب تدوين موظف المكتب المختص في المستشفى أن الأشعة رنين على المخ، بينما رُفض القرار أيضًا بحجة أن الأشعة لا تتوافق مع تشخيص والدتي وتقاريرها الطبية وحتى وفاتها لم نحصل على قرار العلاج".

- تنص المادة 18 من الدستور المصري: "على أن لكل مواطن الحق في العلاج وتجرم المادة الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان، في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة".

فيما يحذر الدكتور عماد حمادة، أستاذ علاج الأورام بمستشفى القصر العيني، من أن تأخير جلسات العلاج الكيميائي أو الأشعاعي يعرض مريض الأورام لخطر انتشار الخلايا السرطانية في مناطق أخرى بالجسم. 

ويشير لـ"صوت السلام" إلى أن أقصى مدة لتوقف المريض عن الجلسات هي أسبوعين، لذا يشدد على ضرورة التزام المنشآت الصحية بالبروتوكولات العلاجية المحلية والعالمية للحفاظ على صحة مرضى الأورام تحديدًا.

ورغم ذلك، توقفت مها محمود، ثلاثينية، عن الحصول على جلسات العلاج الكيميائي مرغمة، بعد أن تأخرت الموافقات على قرارات العلاج على نفقة الدولة من قبل المستشفى منذ 30 سبتمبر الماضي، حيث كانت جلسات "كادسيلا" مخصصة لعلاج سرطان الثدي، ويتوجب عليها تلقي 12 جلسة تقريبًا بمعدل جلسة كل ثلاثة أسابيع.

تنتظر مها في كل مرة 5 ساعات وبعد ذلك ترفض المستشفى تلقيها للجلسة بحجة انتهاء رصيدها من قرارات العلاج على نفقة الدولة: "طلبوا مني تقديم طلب للحصول على جلستين جديدتين، وانتظرت أكثر من خمسة عشر يومًا دون تلقي الجلسة، وأشعر بالخمول والإرهاق، كما لم تصرف الأدوية المكملة لبروتوكول العلاج، من بينها الهرموني والمسكنات".

الحق في الدواء: "غموض في إشراف الوزارة"

وفق الصفحة الرسمية لمستشفى هرمل، قدم مركز الأورام 229,374 خدمة طبية خلال عام 2024، ويخدم المستشفى نحو مليوني مواطن منذ عام 2014، بتكلفة إجمالية بلغت 260 مليون جنيه، على مساحة 32,560 متر مربع. 

ويضم 14 عيادة تخصصية، ووحدة لعلاج أمراض الدم والعلاج الكيميائي بسعة 24 سريرًا، و18 سريرًا للرعاية المركزة لمرضى الأورام، بالإضافة إلى 19 سريرًا داخليًا مخصصًا للأورام.

لذا يشير محمود فؤاد، رئيس جمعية الحق في الدواء، إلى أن مستشفى هرمل يعد من أكبر مراكز علاج الأورام في مصر، ويقدم الرعاية الطبية لمرضى من محافظات متعددة إلى جانب معهد الأورام، مشددًا على أن الوزارة اتجهت لتقليص العلاج المجاني، نتيجة تطبيق قانون "تأجير المستشفيات"، بالإضافة إلى غموض بند إشراف وزارة الصحة ورقابتها داخل عقد إدارة وتشغيل وتطوير المستشفى.

ويضيف لـ"صوت السلام" أن تعطّل صدور قرارات العلاج على نفقة الدولة وامتناع المرضى عن الحصول على العلاج يشكل خطرًا على صحتهم، مؤكّدًا أن المركز وصل له شكاوى من المرضى بشأن الانتظار لساعات طويلة وسوء المعاملة داخل المستشفى.

في 23 يوليو 2025، نظم نحو 50 مريضًا وقفة احتجاجية اعتراضًا على قرار الإدارة الجديدة بإجبارهم على فتح ملفات جديدة وإعادة إصدار قرارات العلاج على نفقة الدولة.

تجارب المرضى تكشف أزمة العلاج 

تأتي تجربة جيلان أمين، 48 عامًا، من حي شبرا الخيمة بالقليوبية، لتؤكد حجم الأزمة التي يواجهها مرضى أورام هرمل، حيث بدأت علاجها في نهاية 2023 بعد تشخيصها بسرطان الثدي، وكانت تحصل على الأدوية وجلسات العلاج الإشعاعي بانتظام ودون الحاجة إلى موافقات على نفقة الدولة.

في يوليو الماضي، تلقت جيلان قرار رفض -حصلنا على نسخة منه- لذا توقفت عن تلقي العلاج الهرموني لمدة 15 يومًا، كما لم تُصرف لها حقنة "الزوميتا" وباقي المسكنات اللازمة: "من وقتها مرة أحيانًا ترفض المستشفى العلاج وصرف الأدوية وأحيانًا تقبل".

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فقد تلقى نحو 3 ملايين مريض العلاج على نفقة الدولة خلال عام 2023، منهم 513,283 مريضًا مصابًا بالأورام، بما يمثل نحو 14% من إجمالي المستفيدين، وفي المقابل، حصل مرضى تخصص الباطنة على العلاج البالغ عددهم 2,170,538 مريضًا، أي ما يعادل 60% من حجم العلاج على نفقة الدولة، أي أكثر من أربعة أضعاف عدد مرضى الأورام.

يؤكد فؤاد: "نحن كمجتمع مدني نرصد تجربة جوستاف روسيه باعتبارها الأولى من نوعها في مصر وفق القانون، لكن حتى الآن النتائج غير مشجعة، ولم يشهد القطاع الصحي أي تحسن فعلي، رغم أن وجود معهد بهذا الحجم يُفترض أن يساهم في تطوير الخبرات الصحية، إلا أن الواقع الحالي يمثل محاولات لإرباك المرضى وإعاقة حصولهم على الخدمات".

ويطالب بعودة إدارة الوزارة للمستشفى: "الوضع الحالي للمستشفى غير مألوف، إذ إن القطاع الخاص عادة يضخ الأموال ويقلل الإجراءات الحكومية، بينما يشهد هرمل العكس تمامًا ويدفع المريض الثمن".

تواصلت "صوت السلام" مع خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان، للرد على أزمة مرضى مستشفى هرمل الذين يواجهون خطر الموت يوميًا، عبر الهاتف وتطبيق "واتساب"، إلا أنها لم تتلقَ أي رد، كما حاولت التواصل مع حسام عبد الغفار، المتحدث باسم الوزارة، بنفس الوسائل للحصول على توضيح، لكن لم يرد أيضًا.

تُظهر حالات هدى ودنيا ومها وجيلان حجم الأزمة التي يواجهها مرضى أورام هرمل بعد انتقال إدارة المستشفى إلى المعهد الفرنسي "جوستاف روسيه" بنظام حق الانتفاع، إذ أدى هذا التحول إلى تأخير صدور قرارات العلاج على نفقة الدولة وحرمان المرضى من أدوية وجلسات حياتية، رغم أن العلاج جزء من حقوقهم الأساسية.