تكيس المبايض.. نساء يواجهن الألم دون تشخيص أو علاج

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت مريم أشرف
2026-05-19 16:02:05

في أثناء تصفحها لموقع "فيسبوك"، صادفت هديل محمد، 25 عامًا، منشورًا يجسد الألم الذي تعاني منه يوميًا في ظهرها، إلى جانب تأخر الدورة الشهرية وظهور حب الشباب في الوجه، لم تكن تعلم أن هذه الأعراض التي ترافقها يوميًا ليست طبيعية ولكنها أعراض متلازمة تكيس المبايض.

بدأت هديل في البحث عن طبيبة متخصصة في أمراض النساء، بعدما لازمها الألم في عظام الحوض، الذي يصل أحيانًا إلى درجة تُعيقها عن أداء مهامها اليومية. 

واقترحت عليها والدتها التوجه إلى مكتب الصحة في منطقة سكنها بحي دار السلام بالقاهرة، إلا أنها لم تجد خدمة كشف طبي نسائي، وأبلغها أحد العاملين بالمكتب بأن الخدمات المتوفرة تقتصر على وسائل منع الحمل ولبن الأطفال فقط.

أين الخدمات الصحية؟

واضطرت هديل إلى اللجوء لعيادات خاصة، إذ بلغ سعر الكشف 500 جنيه، وأخبرتها الطبيبة بأنها تعاني من وجود ثلاثة أكياس على المبيض، تتسبب في زيادة آلام الحوض وانقطاع الدورة الشهرية لعدة أشهر. 

كما أوضحت لها أن هذه الحالة تؤثر على صحتها الإنجابية، إذ تزيد تكيسات المبايض من احتمالات الإصابة بالعقم أو سرطان الرحم وعليها المتابعة الدائمة.

تعاني نساء مصابات بمتلازمة تكيس المبايض، من غياب خدمات الكشف الطبي وعدم توافر الأدوية داخل مكاتب صحة الحي، ما يدفعهن إلى اللجوء للعيادات الخاصة وتحمل تكاليف العلاج التي تُرهق ميزانياتهن الشهرية. 

 ويضطر بعضهن إلى عدم استكمال مراحل العلاج، والتعايش مع الألم اليومي، في ظل مخاطر تهدد صحتهن وحياتهن مستقبلًا.

ومؤخرًا أُعلن عن تغيير اسم متلازمة تكيس المبايض (PCOS) إلى متلازمة المبيض الأيضي متعدد الغدد الصماء (PMOS)، وذلك خلال المؤتمر الأوروبي للغدد الصماء الذي عُقد في براغ، بعد 14 عامًا من التعاون بين جمعيات دولية ومجموعات مرضى من ست قارات.

وخلّص المؤتمر إلى أن مصطلح "تكيس المبايض" كان مضللًا إلى حد كبير، وأسهم لفترة طويلة في تأخر التشخيص وعدم تلقي رعاية طبية مناسبة، بينما يعكس المصطلح الجديد PMOS الطبيعة الأكثر تعقيدًا للحالة، التي لا تقتصر على الجهاز التناسلي لدى النساء فحسب، بل تمتد لتشمل التأثيرات الأيضية، مثل زيادة خطر الإصابة بمرض السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية.

بينما توضح وزارة الصحة والسكان، عبر موقعها الرسمي، أن الوحدات الصحية التابعة لها تقدم خدمات رعاية للنساء تشمل متابعة الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة، ورعاية الحمل والولادة الآمنة، إلى جانب الاكتشاف المبكر للأورام، كما تُعد أورام الرحم والعقم من المضاعفات المحتملة لمتلازمة تكيسات المبايض.

وبحسب تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية في فبراير 2025، فإن 70% من النساء المصابات بمتلازمة تكيس المبايض حول العالم لم يتم تشخيصهن حتى الآن، ومن بينهن ما بين 6% و13% من النساء في سن الإنجاب، وتصف المنظمة المتلازمة بأنها اضطراب هرموني شائع بين النساء في هذه المرحلة العمرية.

ويشير تقرير منظمة الصحة العالمية إلى أن "سبب متلازمة المبيض المتعدد الكيسات لا يزال غير معروف"، في حين تعيش النساء المصابات بها مع آلام يومية، وسط غياب التوعية بمخاطر المتلازمة، وعدم توفير العلاج لهن داخل مكاتب الصحة.

لكن هديل، التي تعمل معلمة لغة عربية في إحدى المدارس الابتدائية براتب شهري يبلغ 8 آلاف جنيه، لم تتمكن من تحمّل تكلفة الكشف التي تبلغ 500 جنيه، إلى جانب أسعار الأدوية التي تقترب من 1500 جنيه شهريًا، ما جعلها غير قادرة على الاستمرار في المتابعة داخل العيادات الخاصة بسبب ارتفاع تكاليف الفحوصات والعلاج: "كنت أتمنى أن يتضمن مكتب الصحة خدمات للكشف على هذه الأمراض، خاصة أن أغلب النساء يعانين من تكيسات المبايض".

خطورة عدم علاج تكيس المبايض

تؤكد الدكتورة منى عبد الرزاق، استشاري أمراض النسا والتوليد، أنه لا يوجد سبب محدد وواضح للإصابة بتكيسات المبايض لدى النساء، وإنما ترتبط الحالة بعدة عوامل، من بينها العوامل الوراثية، وزيادة الوزن، والإصابة بمرض السكري، إلى جانب أنماط الحياة المعتمدة على تناول أطعمة غير صحية. 

وأضافت أن غالبية النساء في سن الإنجاب، بين 20 و30 عامًا، ممن يترددن على عيادتها، يعانين من تكيسات المبايض.

تستيقظ علا عبد الفتاح، 27 عامًا، المقيمة في دار السلام، يوميًا على آلام أصبحت جزءً من إحساسها بجسدها؛ آلام ناتجة عن انقطاع الدورة الشهرية لمدة خمسة أشهر، إلى جانب آلام الظهر وحب الشباب الذي لا يفارق وجهها. وخلال زيارة لإحدى عيادات الجلدية، طلب منها الطبيب التوجه إلى عيادة أمراض النساء لإجراء فحوصات متخصصة.

وشُخِّصت علا بوجود ثلاثة أكياس على المبيض الأيسر، لتبدأ بعدها رحلة علاج اعتمدت على مجموعة من المضادات الحيوية وأدوية منع الحمل، مستمرة في تناول الأدوية لمدة ستة أشهر، قبل أن تخبرها الطبيبة، خلال زيارتها الأخيرة، بأن العلاج ساعد في السيطرة على التكيسات، لكنها قد تحتاج إلى تدخل جراحي لإزالة الأكياس بشكل نهائي.

وبحسب جولة أجرتها محررة "صوت السلام" داخل ثلاثة مكاتب صحة، هي مكتب صحة دار السلام الأول بشارع مصر حلوان الزراعي، ومكتب صحة دار السلام الثاني بشارع الفيوم، ومكتب حدائق المعادي بمنطقة الخبيري، لم يكن هناك كشوفات دورية لمتلازمة تكيس المبايض أو خدمات الفحص الخاصة بالنساء. 

واقتصرت الخدمات المتوفرة داخل المكاتب الثلاثة على توفير وسائل منع الحمل وعبوات لبن الأطفال، إلى جانب خدمات تسجيل الأطفال واستخراج شهادات الميلاد.

وتُعد أدوية منع الحمل جزءًا من بروتوكول علاج تكيسات المبايض، إذ تتوافر في مكاتب الصحة بأسعار رمزية تتراوح بين جنيهين وخمسة جنيهات للعبوة، بينما تُباع في الصيدليات الخاصة بأسعار تتراوح بين 50 و150 جنيهًا.

بينما يؤكد مصدر في مكتب صحة دار السلام -طلب عدم ذكر اسمه- أن الحصول على أدوية منع الحمل بأسعار مخفضة داخل الوحدة يقتصر على النساء المتزوجات فقط، باعتبارهن جزءًا من منظومة تنظيم الأسرة، ولا يمكن توفير هذه الأدوية بالسعر نفسه لجميع النساء حتى المصابات بمتلازمة تكيس المبايض.

لذلك لم تتمكن علا من إجراء الكشف أو المتابعة داخل مكتب الصحة، واضطرت مثل هديل إلى اللجوء إلى العيادات الخاصة، حيث دفعت مبلغ 400 جنيه ثمن الكشف. وطلبت منها الطبيبة إجراء مجموعة من تحاليل الهرمونات التي تجاوزت تكلفتها 2000 جنيه، إضافة إلى أدوية يُتوقع أن تصل تكلفتها إلى نحو 1000 جنيه.

وعن خطورة عدم المتابعة والعلاج تقول الدكتورة منى عبد الرازق: "تحدث مضاعفات خطيرة من بينها الإصابة بالعقم، وسرطان عنق الرحم، فضلًا عن الآلام الشديدة التي تعاني منها النساء بشكل يومي، مبينةً أن بعض الحالات تستدعي التدخل الجراحي بعد فترات طويلة من العلاج، خاصة إذا استمرت تكيسات المبايض لأكثر من عام.

تقول: "متلازمة تكيسات المبايض تُعد اضطرابًا هرمونيًا شائعًا وشديد الخطورة، إلا أنها لا تحظى بالاهتمام الكافي من النساء أو الجهات المعنية".

ميزانية محدودة وآلام يومية

وكانت غادة عماد، 31 عامًا، والمقيمة في دار السلام، قد قررت بدء رحلة العلاج، لكنها اكتشفت بعد الشهر الأول من شراء الأدوية أن ميزانيتها لم تعد قادرة على تحمل تكاليف العلاج، التي بلغت 500 جنيه شهريًا، خاصة أنها تعمل بنظام العمل الحر "فري لانس"، ولا تمتلك دخلًا ثابتًا يتيح لها توفير هذا المبلغ بانتظام: "لم أجد في مكتب الصحة الحكومي أي كشف أو فحص نسائي كان سيكون أوفر لي".

ودفعها ذلك إلى التوقف عن العلاج منذ ستة أشهر، بينما لا تزال تتعايش يوميًا مع آلام مستمرة، وسط مخاوف من تأثير التكيسات على صحتها الإنجابية مستقبلًا: "أشعر أنني عالقة بين الألم وعدم القدرة على العلاج، فأنا أخشى أن تؤثر التكيسات على فرصي في الإنجاب، لكنني في الوقت نفسه لا أملك تكلفة الاستمرار في العلاج الخاص".

ويرجع مصدر مكتب الصحة سبب عدم وجود طبيب أو طبيبة مختصة لفحص النساء، أن الاهتمام يتركز بشكل أساسي على خدمات الأمومة والطفولة، نظرًا للإقبال الكبير على صرف ألبان الأطفال وتطعيمات الشهور الأولى. 

تواصلت "صوت السلام" مع الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان، عبر الهاتف وتطبيق "واتس آب"، للحصول على رد بشأن أسباب عدم توفير كشوفات فحص النساء داخل وحدات صحية، إلا إننا لم نتلقَّ ردًا.

وتعيش علا وهديل وغادة مع اضطرابات هرمونية تهدد صحتهن الإنجابية مستقبلًا، وتزيد من احتمالات تعرضهن للإصابة بأورام الرحم، في ظل غياب العلاج داخل الوحدات الصحية. 

جميع الأسماء المذكورة في هذا التقرير، مستعارة بناءً على طلبهن وحفاظًا على هويتهن.