"الشوارع غير مهيأة لحركتنا".. ذوي الإعاقة يعانون التنقل في دار السلام

تصوير: مريم أشرف - محطة مترو دار السلام

كتب/ت مريم أشرف
2026-05-17 12:43:31

يطلب حازم عرفة، 33 عامًا، أحد سكان حي دار السلام بالقاهرة، المساعدة من المارة داخل محطة مترو دار السلام ليتمكن من الخروج باتجاه منزله في شارع الفيوم. غير أن هذه الدقائق القصيرة تتحول بالنسبة له إلى تجربة ثقيلة، يصفها بمشاعر من الخوف والخجل، نتيجة غياب منحدر "رامب" داخل المحطة يسهّل حركة الكرسي المتحرك.

وُلد عرفة بضعف في عضلات قدميه، تسببت في إصابته بإعاقة حركية، وبعد سنوات من العلاج اعتمد على الكرسي المتحرك كوسيلة أساسية لتيسير حركته وتمكينه من الخروج من المنزل.

ذوي الإعاقة بحي دار السلام

ورغم أنه اختار استخدام محطة مترو دار السلام باعتبارها الوسيلة الأقل في التكلفة المادية، إلا أنها كانت الأصعب: "إحنا بنعاني عشان نقدر نمشي في شوارع الحي اللي كلها متكسرة، ولما بنوصل لمحطة المترو بنعاني أكتر عشان هي مش بتراعي احتياجات ذوي الإعاقة الحركية".

رحلة يومية شاقة

يعاني ذوو الإعاقة الحركية في دار السلام من صعوبات يومية في التنقل داخل الحي والوصول إلى محطة مترو دار السلام، نتيجة غياب المنحدرات المخصصة وعدم تهيئة الشوارع بشكل مناسب، مما يزيد من صعوبة الحركة.

ذوي الإعاقة بحي دار السلام

- تنص المادة 81 من الدستور المصري على كفالة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، بما يشمل تهيئة المرافق العامة والبيئة المحيطة بهم. 

بينما يعيش حازم مشاعر الخوف والخجل كلما حاول الخروج من المنزل، تتشارك معه يمنى فوزي، 55 عامًا ومن سكان الحي، نفس المعاناة في أثناء نقل نجلها الذي يعاني من شلل جزئي بالقدم وضعف في السمع، مستخدمة الكرسي المتحرك، حيث تضطر إلى التعامل مع سلالم مرتفعة وشوارع غير مهيأة مثل شارع الفتح وحلوان الزراعي: "كل أسبوع عندنا جلسة تخاطب وعلاج طبيعي في حي الزيتون لكن بنعاني عشان نمشي في شوارع الحي ونوصل للمترو".

قامت "صوت السلام" في جولة شملت شوارع السكة الحديد، مصر حلوان الزراعي، شارع أبو طالب، والفيوم في دار السلام، تبيّن أن هذه الشوارع تعاني من تدهور واضح في حالة الرصف، مع غياب الأرضيات المستوية والمنحدرات، فيما يقتصر نفق المحطة الذي يربط شارع الفيوم بجزيرة دار السلام على سلالم بارتفاع 20 سم، ما يجعل أغلب الطرق المؤدية إلى محطة المترو الوحيدة في الحي غير مهيأة لذوي الإعاقة.

- تؤكد المادة 9 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التابعة للأمم المتحدة، والتي صدّقت عليها مصر عام 2008، على مبدأ "إمكانية الوصول"، وتمكين ذوي الإعاقة من الوصول إلى الخدمات والمرافق العامة وتيسير استخدام الطرق.

مضاعفات شديدة

يؤكد الدكتور أحمد الجندي، طبيب جراحة العظام والمفاصل وأستاذ بكلية الطب جامعة القاهرة، أن الشوارع غير المهيأة تزيد من درجة الإعاقة الحركية، وقد تحوّل بعض الحالات من متوسطة إلى شديدة الصعوبة، نتيجة الضغط على المفاصل والعظام أثناء السير في طرق غير ممهدة.

لذا يرى ضرورة توفير مساحات مخصصة لعبور ذوي الإعاقة في الشوارع، تكون ممهدة ومرصوفة بشكل مناسب، إلى جانب إنشاء "رامبات" وفق المواصفات العالمية، موضحًا أن الالتزام بهذه المعايير يسهّل بشكل كبير حركة ذوي الإعاقة ويحد من معاناتهم اليومية.

تنص المادة 29 من الفصل الثاني من قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لسنة 2018، على التزام الجهات المختصة بتطبيق الكود الهندسي المصري عند إصدار تراخيص المباني الجديدة بما يضمن تهيئة المباني العامة والخاصة لاستخدام ذوي الإعاقة.

وتقول يمنى واصفة معاناتها: "لازم أهالي ذوي الإعاقة يكون معاهم عربية علشان يقدروا يعيشوا حياة طبيعية، طيب لو أنا مقدرش أشتري عربية؟ المفروض أحبس ابني في البيت عشان النزول صعب وبيحتاج مجهود شديد، أنا في نهاية اليوم بعد ما بنرجع البيت بعاني من ألم في ضهري بيستمر لأيام، علشان أرض ممكن تترصف ورامب ممكن يتعمل بشكل بسيط".

مترو دار السلام.. محطة غير مهيأة

وخلال الجولة تبيّن أن محطة دار السلام تضم سلالم كهربائية ومصعدًا كهربائيًا، إلا أن عرفة ويمنى يؤكدان أن المصعد معطل بشكل متكرر، ما يضطرهما لاستخدام السلالم الكهربائية، التي يصفها عرفة بأنها غير آمنة لمستخدمي الكراسي المتحركة؛ بسبب سرعتها وكثرة الدرجات بها وعدم ملاءمة مساحتها للكرسي، الأمر الذي قد يعرضهم لخطر السقوط.

 - تشير المادة 30 من قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة إلى التزام الوزارات والجهات المختصة بقطاع النقل بتوفير وسائل الإتاحة والتيسير داخل المواصلات العامة، من خلال تخصيص أماكن مناسبة لذوي الإعاقة في جميع وسائل النقل بمختلف أنواعها ودرجاتها.

وتعقيبًا على وضع حي دار السلام، يؤكد الدكتور أحمد صلاح، أستاذ التخطيط العمراني بجامعة عين شمس، أنه لا توجد حلول معمارية فعّالة لتوفير الإتاحة لذوي الإعاقة داخل المباني والأحياء القديمة في القاهرة، مشيرًا إلى أن بعض الحلول المؤقتة مثل "المنحدر الخشبي" قد تكون ضارة، لأن تصميم المنحدرات يعتمد على زوايا هندسية دقيقة لضمان سهولة وأمان الحركة. 

ويوضح لـ"صوت السلام" أن الأزمة الأساسية تعود إلى عدم إلزام تطبيق كود البناء 106 ضمن شروط استخراج تراخيص البناء.

- يُعرف كود 106 بأنه ضمن الأكواد المصرية للبناء والتشييد، التي توفر مباني ومنشآت مهيأة لدمج وتمكين ذوي الإعاقة. 

 

حواجز تعيق الوصول

فيما يؤكد أحمد نجيب، باحث في وحدة ذوي الإعاقة بالمجلس القومي لحقوق الإنسان لـ"صوت السلام"، أن عدم تأهيل الشوارع يؤثر على حق ذوي الإعاقة الحركية وبالتالي يؤثر على فرص مشاركتهم في مجالات العمل والدراسة.

ذلك ما حدث مع كريم عبد الله، 30 عامًا، أحد سكان دار السلام من ذوي الإعاقة الحركية، والذي كان يأمل الاستمرار في وظيفته التي حصل عليها في مستشفى الدمرداش العام بعد تخرجه من كلية التجارة بجامعة القاهرة، لكن رحلته اليومية التي يصفها "بالصعبة" من المنزل إلى مكان العمل دفعته إلى الاستقالة بعد عام.

يقول: "كنت بقضي حوالي 3 ساعات كل يوم عشان أوصل شغلي بسبب صعوبة الدخول والخروج من محطة المترو، وكمان الطرق اللي بمر عليها مش مهيأة، وده كان بيتعبني جدًا جسديًا. أنا ممكن أروح شغلي زي أي حد، وكنت هكمل فيه وأحس بالتحقق والإنجاز لو كان فيه حلول بسيطة تخليني أوصل في وقت أقل".

- يبلغ عدد ذوي الإعاقة في مصر نحو 8.63 مليون نسمة، بنسبة 10.55% من السكان، من بينهم 2.028 مليون يعانون من إعاقات شديدة، بينما تمثل إعاقات الحركة والمشي النسبة الأكبر بحوالي 6.16%، وتضم محافظة القاهرة 23 ألفًا و7004 شخص من ذوي الإعاقة، من بينهم 1.56% من ذوي الإعاقة الحركية.

ويرى الدكتور صلاح أن الحل يكمن في إلزام المباني الجديدة تحت الإنشاء بتطبيق كود الإتاحة من خلال قرارات تنظيمية واضحة ضمن تراخيص البناء، بما يضمن دمج حقوق ذوي الإعاقة في البنية العمرانية منذ البداية.

يتسق ذلك مع توصية مقال بعنوان "إتاحة وسائل النقل للأشخاص ذوي الإعاقة" نشرته "حلول للسياسات البديلة" بضرورة تطبيق أكواد وتدابير الإتاحة لذوي الإعاقة، وعلى رأسها كود الإتاحة 106، بما يضمن تحقيق عدالة التنقل وتوفير بنية تحتية مهيأة لهم.

ورغم توقيع وزير النقل الفريق كامل الوزير ووزيرة التضامن الاجتماعي السابقة نيفين القباج بروتوكول تعاون في فبراير 2022 لإتاحة محطات السكك الحديدية والمترو لذوي الإعاقة، من خلال تهيئة الممرات وإنشاء منحدرات ومصاعد وفق كود الإتاحة رقم 106 لم يُطبّق في محطة مترو دار السلام.

حاولنا التواصل مع الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، لمعرفة دور المحافظة في تهيئة الأحياء الشعبية لذوي الإعاقات الحركية وكذلك محمد عبد الهادي، المتحدث باسم شركة مترو أنفاق القاهرة، بشأن موقف محطة مترو دار السلام وصعوبات تنقل ذوي الإعاقة إليها، لكن لم تتلقَّ ردًا.

تبقى معاناة ذوي الإعاقة في دار السلام مرتبطة بصعوبات التنقل وضعف تهيئة المرافق العامة، في انتظار حلول تضمن لهم حقهم في الوصول والحركة بشكل آمن وسهل.