تقف سامية عبد الحفيظ، 45 عامًا، في شارع العروبة المؤدي إلى كورنيش النيل بحي دار السلام، تتابع كل عيد أصوات التكبيرات الآتية من المساجد القريبة، بينما تحاول أن تجد مساحة مفتوحة تقضي فيها وقتًا مع أسرتها على ذلك الكورنيش.
منذ انتقالها من محافظة سوهاج إلى القاهرة قبل عامين، كانت تتصور أن السكن بالقرب من النيل سيمنحها فرصة للجلوس أمامه كما اعتادت في مدينتها، حيث كانت الأسر تتجمع على الكورنيش دون حواجز أو تكلفة، لكن الواقع بدا مختلفًا.

متنفس مجاني في الأعياد
على امتداد كورنيش دار السلام والمعادي، تحولت أغلب المساحات المطلة على النيل إلى كافيهات ونوادٍ خاصة، حجبت رؤية النيل عن المارة، وفرضت على الجلوس أمامه تكلفة لا تتناسب مع كثير من الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
ومع اقتراب كل عيد، يبحث الكثير من سكان المنطقة عن متنفس مجاني قريب، رغم أن النيل يمر على بعد خطوات من منازلهم، إلا أن الوصول إليه أصبح مقيدًا بوجود أماكن تجارية تستحوذ على أغلب واجهة الكورنيش.

ومنذ مارس العام 2019، حرصت محافظة القاهرة على تطوير كورنيش النيل بما يليق بالمظهر الحضاري، وفي هذا الإطار انتهت من تطوير مشروع كورنيش النيل بطول 5 كيلومترات، بدءًا من نادي اليخت بكورنيش المعادي في اتجاه ميدان التحرير.
وتنص المادة 45 من الدستور المصري على حق كل مواطن في التمتع بالممرات المائية والبحيرات، مع التزام الدولة بحمايتها ومنع التعدي عليها.
خاضت رنا محمد، 23 عامًا، من سكان حي دار السلام، تجربة الجلوس في أحد الكافيهات المطلة على كورنيش النيل خلال عيد الفطر الماضي، في محاولة للاحتفال بالإجازة والتخفيف من ضغوط العمل، لكنها دفعت نحو 250 جنيهًا مقابل كوب قهوة وزجاجة مياه، لتدرك أن ساعة واحدة أمام النيل قد تعادل تكلفة يوم عمل كامل لها، إذ تعمل كممثلة خدمة عملاء في إحدى شركات الاتصالات.
ومع تكرار التجربة، باتت رنا تصف الجلوس على الكورنيش بأنه "حلم"، تراه بعيد المنال رغم قربه الجغرافي: "بضطر أختار قهوة بسيطة بإمكانيات محدودة كل ما أحب أشوف النيل، رغم إني مرتبطة بيه جدًا وبحب المساحات المفتوحة مفتقدة أني أفصل عن الشغل ودوشته، وأشوف مكان مفتوح وأقعد قدام النيل، لكن للأسف بقى مش اختيار متاح".
وبحسب جولة ميدانية لـ"صوت السلام"، تنتهي أغلب شوارع حي دار السلام، وعلى رأسها شارع الفتح وشارع آسيا وشارع العروبة، عند طريق كورنيش دار السلام والمعادي، الممتد وصولًا إلى كورنيش حلوان وحي الزهراء ومصر القديمة ثم وسط القاهرة، رغم أن المسافة الفاصلة بين الحي والنيل لا تتجاوز نحو خمس دقائق سيرًا على الأقدام، مما يجعله النزهة الأساسية لأغلب السكان.
- تخصص الأسر المصرية نحو 2.3% من متوسط إنفاقها السنوي للثقافة والترفيه، بما يعادل 1451 جنيهًا، مقابل 31.1% للطعام والشراب بقيمة تصل إلى 19229 جنيهًا، فيما تنفق على المسكن ومستلزماته نحو 11891 جنيهًا، بما يمثل 19.2% من إجمالي إنفاق الأسرة.
متنفس عام
يعلق على ذلك الحسين حسان، خبير التنمية الحضارية، أن الكورنيش يُعد من أرخص أماكن التنزه للأسر، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى تطوير يحافظ على حق المواطنين في استخدامه.
ويوضح لـ"صوت السلام" أنه: "لا يجب أن يتحول الكورنيش إلى تجمع للكافيهات دون ترك مساحة مخصصة للسكان"، مشيرًا إلى وجود حلول يمكن أن تحقق التوازن بين الأنشطة التجارية وحق الجمهور في الاستمتاع بالنيل، من بينها الاكتفاء ببناء المطاعم على طابق واحد فقط، بما يضمن عدم حجب الرؤية عن المارة.
وبحسب خرائط جوجل، فإن المسافة الممتدة من كوبري طرة، الذي يمثل بداية كورنيش المعادي، حتى مستشفى السلام الدولي، نهاية كورنيش دار السلام، تمتد لنحو 5.5 كيلومترات، وتظهر خلالها كثافة واضحة في المطاعم والكافيهات المنتشرة على طول الواجهة النيلية للمنطقة.
وخلال الجولة الميدانية تبيّن وجود مساحة مفتوحة محدودة إلا أنها غير مهيأة لاستقبال المواطنين، إذ تفتقر إلى المقاعد والإضاءة، إضافة إلى تراكم بعض المخلفات بها، ما يجعلها غير صالحة كمتنفس عام.
- سبق وأعلن رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي حصر الأراضي المطلة على كورنيش النيل في محافظتي القاهرة والجيزة، تمهيدًا لطرحها كفرص استثمارية بأنشطة متنوعة، شملت عددًا من المناطق من بينها دار السلام والمعادي بإجمالي 110 مواقع تبلغ مساحتها نحو 430 فدانًا.
فيما يرى نجيب جبرائيل، محامي حقوقي ورئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان، أن ما يحدث على كورنيش القاهرة يتنافى مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 45 الخاصة بالحق في الانتفاع ويمنع المواطن من الحصول على حقه في التمتع بالكورنيش مقابل الأماكن الخاصة.
ويضيف جبرائيل لـ "صوت السلام"، أن نقص المساحات المفتوحة له آثار نفسية واقتصادية على المواطن.
نزهة بتكلفة عالية
ذلك ما حدث مع عادل حمدي، 29 عامًا ومن سكان دار السلام، الذي شُخّص بالاكتئاب الحاد من قبل طبيبه النفسي، نتيجة احتراقه الوظيفي بسبب ضغط العمل لسنوات، وطلب منه الطبيب النفسي أن يقضي ساعة يوميًا في مساحة مفتوحة أو أمام النيل، كجزء إلزامي في رحلة علاجه، وتحديدًا في أيام الأعياد والمناسبات، لكن ظل حمدي عالقًا في اكتئابه، بسبب أن الكورنيش يوجد بالقرب من منزله بشارع آسيا، لكنه لا يتمتع بهذه المساحة.
"بسافر دهب في سيناء، أدفع مبالغ كبيرة علشان أعالج نفسي، وأقدر أكمل الحياة، رغم أني لو اتمشيت كل يوم قدام مساحة شايف فيها النيل، أو استغليت أجواء العيد المبهجة في أني أستمتع بالنيل، كنت مش هحتاج أسافر" هكذا وصف حمدي أزمته.
ويرد الطبيب النفسي جمال فرويز، بأن اختفاء المساحات المفتوحة والنيل أو أي مجرى مائي، يعني اختفاء الدوبامين -هرمون السعادة والبهجة- من حياة السكان، الذي يجب توفيره في الأعياد والمناسبات، مؤكدًا أن حالة حي دار السلام والمعادي هي حجب للنيل رغم تواجده، ما يعرض السكان إلى معدلات اكتئاب أعلى، مع ضغط العمل وسرعة الحياة اليومية.
توضح دراسة بعنوان "تشجير ضفاف النيل وفتحها أمام العامة: دراسة حالة في المعادي، القاهرة"، نُشرت على منصة أكاديميا عام 2022 للباحث أمير جوهر، والذي استخدم حي المعادي كنموذج لقياس حجم المساحات العامة المطلة على النيل لسكان القاهرة، أن 16% فقط من ضفاف النيل في المعادي متاحة للجمهور، في حين تسيطر الاستثمارات الخاصة والمنشآت المغلقة على أكثر من 80% من المساحة.
ويستكمل فرويز حديثه لـ"صوت السلام" قائلًا إن من المتوقع أن يكون سكان القاهرة من الأعلى في معدلات الاكتئاب بين محافظات مصر المختلفة، نتيجة نقص المساحات المفتوحة وغياب الحق في الانتفاع بالنيل.
وتواصلت "صوت السلام" مع الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والقائمة بأعمال وزير البيئة، عبر الهاتف و"الواتساب"، للتعليق على حالة كورنيش دار السلام والمعادي وحق السكان في التنزه بهذه المساحات، إلا أننا لم نتلقَّ ردًا.
يمر العيد على سامية وعادل ورنا دون أن يتمكنوا من الجلوس أمام النيل، لتظل لحظات الراحة والهدوء والتقاط الأنفاس مساحة مفقودة في حياتهم، ويبقى النيل قريبًا في المسافة بعيدًا في التجربة عليهم.