تعرضت يسرية أحمد، 52 عامًا، للإغماء عدة مرات خلال آخر 6 أشهر، بسبب عدم قدرتها على قياس نسبة السكر في جسدها، فهي مصابة بالسكري منذ 10 سنوات وتحاول التعايش معه، إلا أن أزمة نقص الأدوية والمستلزمات الطبية في مصر تعيق ذلك.
تمتلك يسرية جهاز قياس السكر منذ عامين، إلا أنها لا تستطيع استخدامه بسبب نقص "الشرائط والإبر" الضرورية لذلك. تقول: "أعيش في منطقة دار السلام، وبدأت ألاحظ اختفاء مستلزمات أجهزة قياس السكر من محلات بيع المستلزمات، وهي ضرورية لأننا لا نستطيع مراقبة مستوى السكر في الدم بدونها".
رحلة يسرية في الحصول على وخزة
تتعرض حياة يسرية ونحو 12 مليون مصاب بالسكري في مصر للخطر، جراء عدم قدرتهم على قياس نسبة السكر في الدم بسبب أزمة نقص المستلزمات الطبية وارتفاع أسعارها، مما يحد من قدرتهم على التعايش مع مرض السكري، ويزيد من مخاطر المضاعفات الصحية.
يقيس المرضى مستوى السكر في الدم عبر جهاز قياس السكر، إما من خلال إبر رفيعة مغلفة بالسيليكون توفر انزلاقًا سلسًا على الجلد، أو شرائط اختبار السكر، يستخدمها المرضى في منازلهم لإجراء الاختبارات بشكل دوري.
من واقع رحلة يسرية الصعبة في البحث عن "شرائط وإبر" قياس السكر فإنها تصف نفسها بمن يبحث عن المخدرات، وإذا وجدها فهو مضطر لدفع أموال ضخمة للحصول عليها. تقول: "عبوة الشرائط مكونة من 50 شريط أي تكفي 50 مرة قياس ومريض السكري يحتاج إلى القياس مرة أو عدم مرات خلال اليوم، وأصبتُ بالإغماء أكثر من مرة بسبب عدم قدرتي على قياس نسبة السكر".
خطورة عدم القياس
يحذر الدكتور هشام حفناوي، عميد معهد السكر السابق، ورئيس اللجنة القومية للأمراض المزمنة غير السارية، من مخاطر عدم قدرة المرضى على قياس مستوى السكر في الدم، مبينًا أن ذلك يعرض المريض لمخاطر مثل الدوار والإغماء نتيجة نقص السكر دون أن ينتبه المريض كي يتخذ إجراءات احترازية تجنبه الدخول في غيبوبة.
ويؤكد لـ"صوت السلام" أن قياس السكر أمري ضروري للمريض وجزء أساسي من رحلة العلاج، فهناك مرضى يحتاجون للقياس 4 مرات يوميًا، مشيرًا إلى أن تدوين نتائج التحاليل يساعد في متابعة الحالة مع الطبيب وإجراء الفحوصات طويلة المدى.
ليس النقص فقط هو من يعيق قياس يسرية للسكر في جسدها ولكن الأسعار أيضًا تضيف: "كان سعر الشرائط قبل عامين 90 جنيهًا لكنها زادت إلى 300 ثم 500 جنيه قبل 6 أشهر، ومن هنا أصبحت غير موجودة".
في 1 يناير الماضي، حدثت زيادة في أسعار المستلزمات الطبية تراوحت بين 10% إلى 30%، وفق بيان الشعبة، الذي أرجع السبب إلى ارتفاع سعر الدولار.
شعبة المستلزمات: "أزمة الدولار السبب"
يؤكد ذلك، الدكتور محمد إسماعيل، رئيس شعبة المستلزمات الطبية بالغرفة التجارية، بأن مشكلة أجهزة قياس السكر في مصر بدأت منذ عامين بسبب أزمة السيولة الدولارية، مما أدى إلى توقف بعض المستوردين عن العمل.
ويوضح لـ"صوت السلام" أن مصر ليس لديها تصنيع محلي لأجهزة قياس السكر ومستلزماته، لكنها كانت تعتمد على استيراد ماركات ألمانية وإنجليزية وتايوانية في السابق، ولكن مع أزمة الدولار أصبحت تستورد الأجهزة التايوانية فقط، مما أدى إلى نقص الشرائط والإبر وغلاء سعر أجهزة السكر.
تستورد مصر 75% من الأنسولين ومستلزمات أجهزة السكر من الخارج، في وقت تضم فيه 12 مليون مريض سكر، بنسبة إصابة بلغت 21.3% من إجمالي عدد السكان، وفق الاتحاد الدولي لمرضى السكر (غير حكومي)، لذلك تحتل الترتيب الثامن عالميًا في انتشار الإصابة بمرض السكري.
تؤكد يسرية، التي ابتاعت جهاز السكر خلال العام 2022 بمبلغ 200 جنيه، أن سعره وصل بعد عام إلى 500 جنيه حتى تجاوز الـ1000 جنيه الآن، مما أضاف عبئًا إضافيًا على مرضى السكري، وزاد من صعوبة تأمين مستلزمات علاجهم.
جولة البحث عن وخزة
معدة التقرير أجرت جولة في محال المستلزمات الطبية في شارع القصر العيني -أقرب منطقة لدار السلام في بيع المستلزمات الطبية-، لمعرفة أسباب نقص شرائط وإبر قياس السكر. يوضح وائل الحبشي، أحد مستوردي المستلزمات الطبية، أن الارتفاع في أسعار المستلزمات الطبية هو السبب في نقصها، إذ أصبحت أجهزة السكر متوفرة لكن بلا شرائط للقياس.
بينما يتحدث أحمد عمر، تاجر مستلزمات طبية، عن الفجوة في الأسعار التي حدثت منذ عامين: "منذ عامين كان بإمكان المريض شراء جهاز جديد مقابل 150 جنيهًا، بالإضافة إلى عبوة شرائط بسعر 90 جنيهًا، لكن الآن وصل سعر جهاز السكر إلى ألف جنيه تأتي معه شرائط جديدة".
بينما الدكتور محمد إسماعيل، رئيس شعبة المستلزمات الطبية يؤكد: "لا توجد مشكلة، يمكن للمرضى شراء جهاز جديد واستخدام شرائطه، أو يعتمد على الصيدليات في عملية القياس يوميًا، حتى يمكن لمصر في المستقبل القريب التصنيع المحلي".
كلا الحلّين يكبدنا المرضى مبالغ مالية مضاعفة، إذ قرر أحمد سعيد، 40 عامًا، مريض سكري، شراء جهاز جديد بعد نفاد الشرائط، فأصبح يشتري جهازًا جديدًا كل شهر بسعر 500 جنيه، في وقت وصلت فيه ميزانية الأنسولين والأدوية إلى 2000 جنيه شهريًا، فأصبحت تكلفة علاجه تبتلع أكثر من نصف راتبه.
يقول لـ"صوت السلام": "مش مشكلتي أنني مريض سكر، السكر في مصر أكثر من المصريين، من الطبيعي أن أشتري هذه الشرائط بسعر معقول، وليس أن أدفع 500 جنيه شهريًا وكلما انتهى الجهاز أجد منزلي مليئًا بالأجهزة"، وصل عدد الأجهزة التي يمتلكها سعيد إلى 10 أجهزة، جميعها تعمل بكفاءة، لكن بدون الشرائط تصبح عديمة الفائدة.
أما يسرية لجأت للحل الثاني وهو القياس في الصيدلية بسبب عدم قدرتها على بذل مجهود إضافي في البحث عن الشرائط والإبر، وتضطر للذهاب إلى الصيدلية مرتين يوميًا لقياس مستوى السكر في الدم صباحًا ومساءً، حيث طلب منها الطبيب متابعة حالتها عبر جدول محدد.
تقيس الصيدليات السكر للمرضى بمبلغ 20 جنيهًا في كل زيارة وفق يسرية، وبالتالي، يكلفها ذلك حوالي 280 جنيهًا أسبوعيًا، مما يزيد من الأعباء المالية عليها.
السحب اليومي والطلب المتزايد على شرائط قياس السكر، كانت سبب آخر للأزمة وفق بهاء محمد، صاحب محل مستلزمات طبية، الذي أكد أن 80% منها غير متوفر بسبب أزمة الدولار والاستيراد.
طلبات إحاطة بلا مجيب
لا تعبأ نهلة محمد، 21 عامًا، إحدى مرضى السكري، بأزمة الدولار والاستيراد، كل ما تتمناه هو توافر شرائط جهاز قياس السكر الذي يرافقها منذ عشر سنوات من المدرسة إلى الجامعة، حتى لا تصاب بغيبوبة في منتصف اليوم الدراسي.
تقول: "الشرائط غير متوفرة نهائيًا في محال المستلزمات الطبية، عشان كده اضطريت اشتريها من خارج مصر بأسعار مضاعفة، وحصلت على 5 عبوات بها 120 شريط واستخدم من 3 إلى 4 شرائط يوميًا، وأخشى اليوم الذي تنفد فيه هذه الشرائط".
بينما الدكتور هشام حفناوي، عميد معهد السكر السابق، يؤكد على ضرورة توافر الشرائط والإبر للمرضى وشرائها مهما تكلف الأمر، مبينًا أن عدم القياس نتائجه تصل إلى حد الموت بعد الدخول في غيبوبة.
ويضيف: "هناك بدائل لشرائط وإبر قياس السكر في الدم وهي أجهزة القياس الحساسة مثل السينسور، لكنها مرتفعة الثمن بشدة تصل إلى 5 آلاف جنيه شهريًا، لذا على الدولة توفير الشرائط ودعم سعرها".
يعكس عمق الأزمة، طلب الإحاطة الذي تقدم به إيهاب رمزي، عضو مجلس النواب، حول نقص العديد من الأصناف الدوائية، خاصة مستلزمات أجهزة السكر، خلال أغسطس الماضي، بينما أعلنت النائبة سحر العشري، تلقيها شكاوى واستغاثات يوميًا من المواطنين لإيجاد حل في توفير مستلزمات قياس السكر.
لذلك، تواصلت معدة التقرير مع الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة عبر الهاتف، دون رد، وبعد إرسال عدة رسائل على "الواتساب" أجاب ملقيًا بالمسؤولية على هيئة الدواء وليس وزارة الصحة، وحين سألناه عن جهود الوزارة لحل الأزمة لم نتلق رد من الجهتين إلى الآن.
تعيش يسرية ونهلة وأحمد في حالة من القلق المستمر، حيث يتصارعون مع تحديات مرض السكري، بين نقص المستلزمات الطبية وارتفاع أسعارها، ومواجهة مشاعر القلق والخوف من المضاعفات الصحية التي قد تترتب على عدم تمكنهم من قياس مستوى السكر أو دخولهم في غيبوبة.