على أنغام الرقص البلدي وأغاني ليلة الحنة، اجتمعت خمس فتيات تتراوح أعمارهن بين 15 و25 عامًا، في عرض فني يحاول استعادة طقس شعبي آخذ في الاختفاء، وفتح مساحة آمنة للفتيات للتعبير عن أنفسهن وأجسادهن بعيدًا عن القيود المجتمعية.
جاء ذلك خلال عرض "ليلة الحنة"، الذي أُقيم في مركز الدوار للفنون بمحافظة المنيا، في 5 أغسطس، واستمر من السابعة حتى التاسعة مساءً، ليختتم سلسلة ورش فنية امتدت على مدار 20 يومًا مع فتيات من قرية جبل الطير، بدعم من مؤسسة الصخرة.
واستلهم العرض طقوس "ليلة الحنة" المتوارثة في صعيد مصر، محاولًا إعادة تقديمها من خلال الرقص البلدي والأغاني الشعبية التي بدأت تتراجع مع تغير أنماط الحياة والتطور التكنولوجي.
ولا يقتصر هدف المشروع على استعادة التراث، إذ يسعى أيضًا إلى خلق علاقة أكثر تصالحًا بين الفتيات وأجسادهن، من خلال الرقص والحركة والتعبير، في مساحة تقوم على الأمان وحرية التجربة.
"شخلعة".. الرقص مساحة للنساء فقط
"شخلعة" هو مشروع للرقص الشعبي والفلكلوري مخصص للفتيات والسيدات فقط، انطلق في يناير 2024 بهدف الحفاظ على التراث الشعبي والأغاني التي بدأت في الاندثار، وإعادة تقديمها من خلال الحركة والرقص.
بدأ المشروع بورش تدريبية في القاهرة شاركت فيها أربع فتيات، قبل أن يتوسع تدريجيًا ويحظى بإقبال من الفتيات والسيدات، ليصل عدد المستفيدات من تدريباته إلى أكثر من 1200 فتاة وسيدة.
وخلال مسيرته، قدم المشروع 35 ليلة عرض، من بينها 24 عرضًا في القاهرة، إلى جانب عروض وفعاليات في ألبانيا ونيبال وإسطنبول، فضلًا عن ورش تدريبية طويلة في بيروت انتهت بعرض راقص على مسرح النهار.
كما شارك المشروع في مهرجان باب البحر بالإسكندرية، قبل أن ينتقل إلى جبل الطير بمحافظة المنيا، حيث أقام ورشًا استمرت 20 يومًا، انتهت بعرض في القرية، ثم عرض آخر في مركز الدوار للفنون بالمنيا، بدعم من مؤسسة الصخرة.
وتوضح مي عامر، مخرجة ومنتجة ومؤسسة مشروع "شخلعة"، أن دراستها للأنثروبولوجيا الثقافية جعلتها تكتشف مدى ثراء مصر بالموروثات الثقافية في مجالات الطبخ والعمارة والفنون والغناء والرقص، لكنها لاحظت في الوقت نفسه أن جانبًا من هذا التراث بدأ في الاختفاء.
وتقول عامر إن مشروع "شخلعة" جاء كمحاولة لإعادة الرقص والغناء الفلكلوري إلى مساحة الاهتمام، مؤكدة أن الرقص، من وجهة نظرها، "للجميع"، ولذلك لا يضع المشروع شروطًا تتعلق بالوزن أو شكل الجسم أو الطول أو اللون، كما لا يشترط إتقان الحركات الراقصة أو البهلوانية.
وتشير إلى أن المشروع يهتم أيضًا بخلق مساحة آمنة للمشاركات، من خلال منع تصوير العروض، وقصر المشاركة والحضور داخل مساحة العرض على النساء، بما يمنح الفتيات والسيدات حرية أكبر في التجريب والتعبير عن أنفسهن.
الرقص كطريق للمصالحة مع الذات
من جانبها، تقول آسيا علي، مصممة الحركة والرقصات في مشروع "شخلعة"، إنها بدأت دراسة الباليه في أكاديمية الفنون بالقاهرة، كما درست الفلكلور المصري بمختلف أنواعه إلى جانب الفلكلور الأجنبي.
وتصف تجربتها في "شخلعة" بأنها كانت رحلة للمصالحة مع الجانب الأنثوي بداخلها، موضحة أن إيقاع الحياة السريع والمليء بالضغوط يتعارض في أحيان كثيرة مع طبيعة الإنسان واحتياجاته.
وتضيف أن المشروع ساعدها على استعادة هذا الجانب من خلال المساحة التي يوفرها للتعبير والدعم النفسي، مشيرة إلى أنها بدأت التدريب وفق "القاموس الحركي" الذي وضعته مي عامر، وأن تجربتها في المشروع منحتها الكثير على المستويين الفني والشخصي.
أما نورا خورشيد، الإدارية اللوجستية في مشروع "شخلعة"، فتقول إن المشروع "أصبح جزءًا من حياتها"، وساعدها على التعبير عن مشاعرها وأفكارها من خلال الرقص البلدي، كما انعكس على حالتها النفسية وعلاقتها بذاتها.
وتشارك نورا أيضًا في الجانب التنظيمي للعروض، من خلال التطوع والمساعدة في إعداد الصوت والإضاءة، لتصبح تجربتها مع "شخلعة" امتدادًا يتجاوز الرقص إلى المشاركة في صناعة العرض نفسه.
وبين استعادة طقوس "ليلة الحنة" في الصعيد، وفتح مساحة آمنة للفتيات للتعبير عن أجسادهن ومشاعرهن، تحاول "شخلعة" أن تقدم قراءة جديدة للرقص الشعبي؛ قراءة لا تفصل الفن عن التراث، ولا التراث عن حياة النساء وتجاربهن اليومية.