ما بننسى| من غزة إلى "الحكروب" في أسوان.. كيف تأقلمت شام وأسماء وإسراء؟

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت فاطمة محمد
2025-10-08 17:40:59

بعد ثلاثة أشهر من اندلاع حرب 7 أكتوبر 2023، وجدت أسماء إبراهيم، 40 عامًا، نفسها بلا منزل بعدما دمّره قصف الاحتلال الإسرائيلي، لتقرر مغادرة قطاع غزة واللجوء إلى مصر، استقرت في منطقة الحكروب بأسوان، وظلت طوال عام ونصف تحاول بناء حياة جديدة والتأقلم مع واقع مختلف تمامًا.

تقول أسماء: "منذ الأيام الأولى كنتُ مصممةً على أن أكون صاحبة مشروعي حتى أستطيع العيش في مصر"، بدأت رحلتها بشراء الخضروات من السوق، وتنظفها وتقطعها بعناية، ثم تبيعها جاهزة للطبخ لجيرانها وربات البيوت في المنطقة. 

أسماء.. العمل الحر سبيل للاستقرار

وجدت الفكرة صدى سريعًا، إذ وفّرت على النساء وقتًا وجهدًا، ما شجعها على التوسع لاحقًا، سرعان ما أطلقت مشروع إعداد الوجبات المنزلية، تجمع فيه بين الأكلات الفلسطينية التقليدية والأطباق المصرية، لتصبح خيارًا محببًا في المنطقة وطريقة لتأقلم أسرة أسماء هي وشقيقتها الوحيدة.

ومع مرور الوقت، بدأت أسر نازحة أخرى من غزة تستقر في نفس المنطقة، حتى بلغ عددها تسع أسر، وبحلول النصف الثاني من عام 2025، تحولت الحكروب إلى واحدة من أبرز تجمعات الفلسطينيين في أسوان، لكل منهم حكايته الخاصة في مواجهة آثار عامين من الحرب، ومحاولاته الحثيثة للتأقلم وإيجاد بداية جديدة.

- تقع منطقة الحكروب شرق أسوان، وهي أرض كانت تُعرف قديمًا بـ"الحكر" والناصرية، ونشأت بالتزامن مع بناء السد العالي، ليسكنها في الغالب العمال الذين شاركوا في تشييد المشروع.

تؤكد أسماء أن التأقلم لم يكن بالنسبة لها مجرد اعتياد على المكان، بل كان سعيًا لإثبات الذات رغم مرارة الغربة، فقد وجدت في العمل الحر وسيلتها لتجاوز الضغوط النفسية والاقتصادية، وتحويل التجربة القاسية إلى بداية نحو حياة أكثر استقرارًا.

شام.. دروس اللغة نافذة أمل

سلكت شام يوسف، الخمسينية القادمة من غزة برفقة ابنتيها التوأم، دربًا مشابهًا، حيث تروي تجربتها بصوت هادئ يختلط فيه الحنين بالإصرار: "حين وصلنا إلى أسوان شعرنا بالاختلاف في كل شيء؛ اللهجة والعادات وحتى إيقاع الحياة لكن أخذت فترة طويلة حتى تأقلمت". 

خشيت شام في البداية ألا تتمكن من العمل وسط بيئة جديدة يصعب الاندماج فيها، لكنها سرعان ما اكتشفت أن إتقانها اللغة الإنجليزية قد يمنحها فرصة مختلفة، هكذا بدأت في إعطاء دروس عبر الإنترنت ولأهالي الحكروب، بينما تتولى ابنتاها مهمة تنسيق المواعيد وتنظيم الحصص.

تضيف شام أن العودة إلى التدريس أعادت إليها شغفها الأول ومنحتها إحساسًا متجددًا بقدرتها على العطاء: "ومع مرور الوقت، لم يعد التأقلم مجرد تحدٍ، إذ أصبحت أعرف جيراني بالاسم وأشاركهم الأحاديث والزيارات، حتى غدت أسوان بالنسبة لي بيتًا ثانٍ يشاركني تفاصيل الحياة اليومية".

- منذ اندلاع الحرب اضطر نحو 1.9 مليون شخص، أي ما يقارب 90% من سكان القطاع، إلى النزوح، بينما عبر قرابة 100 ألف إلى مصر بحثًا عن الأمان والاستقرار.

إسراء.. الفن طريق للتعبير والشفاء

تتقاطع حكاية إسراء مع قصص شام وأسماء، رغم صغر سنها 29 عامًا، نزحت إلى أسوان في مارس الماضي برفقة والدتها، وظلت محملة بذكريات الحرب وحنين لا ينقطع إلى مدينتها التي تغيّرت ملامحها، ورغم صدمة الرحيل الأولى، وجدت في دفء أسوان وطيبة أهلها متنفسًا ساعدها على التكيف. 

تقول: "أنا مريضة بورم سرطاني وجئت إلى مصر هربًا من الحرب للعلاج، ولكن وجدت صعوبة في التأقلم بداية الأمر ثم بدأت أتلقى العلاج في مستشفى أسوان الجامعي، وهنا عرفت أن أهل أسوان من أطيب الشعوب وساعدوني أنا ووالدتي في التأقلم".

تمتلك إسراء موهبة في الرسم والتصميم، وتفكر في تحويلها إلى مصدر رزق، سواء عبر تعليم الأطفال أو دخول مجال تصميم الأزياء كطريقة للعيش في مصر بعدما فقدت أمل العودة إلى وطنها مرة أخرى.

رغم اختلاف الأعمار والظروف، جمعت أسماء وشام وإسراء تجربة واحدة في أسوان، حيث تحوّل التأقلم من مجرد تحدٍ إلى فعل مقاومة يومية للحرب وآثارها، كل واحدة منهن وجدت طريقها الخاص لتلك المقاومة على مدار قرابة عامين.