ما بننسى| رغم ضيق الحال.. التبرع لغزة من القرى والنجوع: "الوجع واحد"

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت عبدالرحمن خليفة
2025-10-08 15:58:40

تعيش أم محمد، 40 عامًا، حياة صعبة هي وأبناؤها الثلاثة، في قرية أبو العباس بالمنيا، حيث يعمل زوجها مزارعًا براتب شهري لا يتجاوز ثلاثة آلاف جنيهٍ، بالكاد يغطي احتياجات الأسرة الأساسية.

ورغم ضيق الحال، بادرت الأسرة منذ الأيام الأولى للحرب التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023 بالتبرع بمبلغ 200 جنيه لأحد الجمعيات الخيرية، وعلى مدار عامين من الحرب، واصلت الأسرة تقديم تبرعات متواضعة بشكل متكرر.

تبرعات لا تنقطع رغم ضيق الحال

قبل أيام قليلة، فقدت أم محمد زوجها الذي كان العائل الوحيد ومصدر رزق الأسرة، لتزداد الأوضاع صعوبة بعد رحيله: "رغم حزني على وفاة زوجي وضيق الحال أكثر من بعده، لم أتردد مؤخرًا حين رأيت أهالي القرية يجمعون التبرعات في يوليو الماضي لإرسال قافلة دعم إلى غزة، استقطعت 200 جنيهٍ من معاش تكافل وكرامة وشاركت في التبرع".

أم محمد ليست حالة فردية؛ فالكثير من الأسر البسيطة في المنيا، رغم ظروفها الاقتصادية القاسية، ما زالت تشارك بانتظام في قوافل الإغاثة التي تنظمها الجمعيات الخيرية، في التزامٍ لم يقتصر على الأيام الأولى للحرب، بل استمر لعامين كاملين.

التبرع لغزة محافظة المنيا

يؤكد ذلك الشيخ وليد هلال، أحد القائمين على جمع التبرعات في القرية بشكل فردي، أن أكثر الأسر احتياجًا كانت هي الأحرص على التبرع، ولم يقتصر عطاؤها على الأيام الأولى من الحرب، بل ظل مستمرًا لعامين كاملين.

يستعيد موقفًا لا ينساه: "كنا نطرق أبواب البيوت لإبلاغ الأهالي بأننا نجمع المساعدات لإرسالها إلى غزة، وعندما وصلنا إلى بيت أم محمد، كنا نعلم أن زوجها قد توفي مؤخرًا وأنها تعيش ظروفًا قاسية، لكن المفاجأة أنها سبقتنا ونادت علينا قائلة بثبات: أنا عارفة إنكم بتجمعوا تبرعات، ولازم أساعد لأن الوجع واحد".

ويضيف هلال: "كان ذلك من أكثر المواقف التي أثرت في قلبي أثناء جمع التبرعات؛ فقد جسدت أم محمد مثالًا حيًا على أن التضامن مع فلسطين واجب لا يسقط مهما اشتدت الظروف".

احتلت مصر المركز الثاني عالميًا ضمن مؤشر العطاء العالمي لعام 2025، الذي يقيس حجم تبرعات السكان للأشخاص المحتاجين والمؤسسات الخيرية والمنظمات الدينية. 

ووفقًا لتقرير World Giving Report 2025 الصادر عن مؤسسة "Charities Aid Foundation" البريطانية، بلغ معدل تبرعات المصريين 2.45% من دخل الفرد.

بينما يشير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار إلى أن حجم الإنفاق الخيري عالميًا يصل إلى نحو 1.5 تريليون دولار سنويًا، فيما بلغ حجم إنفاق المصريين عبر التبرعات حوالي 4.5 مليار دولار سنويًا.

قافلة يوليو.. حملة تضامن

لم تكن أم محمد وحدها من محدودي الدخل الذين يحرصون على تقديم الدعم لغزة ولكن عاصم حسين، 25 عامًا، من محافظة المنيا، عامل أجرة، اعتاد أن يقتطع من 300 - 500 جنيه من أجره الشهري الذي يبلغ متوسطه 3500 جنيهٍ ليقدمه تبرعًا للشعب الفلسطيني عبر مؤسسات خيرية تتولى إيصال المساعدات.

يقول: "أحاول أن أوفر من دخلي اليومي بقدر استطاعتي، وأدخر المبلغ في محفظتي الإلكترونية، ثم أرسله في نهاية الشهر للمؤسسات التي تستقبل التبرعات، لأنني عندما أرى أهل غزة على شاشات التلفاز بلا طعام ولا مأوى، أشعر بالحسرة، أقل ما يمكنني فعله هو أن أشارك ولو بمبلغ بسيط".

وبسبب دخله المحدود، يستغنى عاصم عن بعض الأشياء في حياته كي يستمر في التبرع: "توقفت عن الإنفاق على الخروج والأنشطة الترفيهية مع أصدقائي، وفضلت أن أوجه هذا المبلغ لأهلنا في غزة، والشعور الذي يملأني بعد إرسال التبرع كل شهر لا يوصف".

كانت آخر قوافل التبرعات التي نظمها أهالي قرية أبو العباس في يوليو الماضي، حيث اتفق الأهالي على جمع مساعدات لإرسالها إلى فلسطين، وتولى مهمة الإشراف على الحملة الشيخ وليد هلال بمشاركة خمسة من أبناء القرية.

يقول: "في البداية استخرجت موافقة أمنية لجمع التبرعات، ثم بدأنا التحرك، كان شعورًا يفوق الوصف، فكل بيت كنا نطرق بابه كان يفتح لنا صدره قبل داره، ويقدم ما يستطيع بطيب نفس".

انطلقت الحملة بجمع المواد الغذائية الأساسية، وشارك فيها الرجال والنساء، وفق الشيخ وليد، ولكن من أكثر اللحظات التي تركت أثرًا عميقًا لديه أن أطفالًا صغارًا حضروا حاملين حصالاتهم المدرسية قائلين ببراءة: "دي مساعدة مننا لإخواتنا في غزة".

ويوضح أن الحملة استمرت خمسة عشر يومًا، لم يتوقف خلالها العطاء؛ فهناك من لم يملك المال، لكنه قدّم من السلع الغذائية المتوفرة في منزله، مبينًا أن بنك الطعام المصري هو الذي أرسل شاحنة نقل كبيرة لنقل مساعدات، وفي يوم 3 أغسطس، خرجت القافلة من القرية محمّلة بما جاد به الأهالي: "كنا نرفع الدعاء أن تصل القافلة سالمة إلى أهلنا في غزة، والحمد لله وصلت بسلام".

كان من بين المشاركين عبد العال سيد، 40 عامًا، مزارع من مركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا: "أرضي مش كبيرة، لكن قررت منذ بداية الحرب أزرع محاصيل سريعة الحصاد كل ثلاثة أشهر، وكل مرة أبيع فيها المحصول أخصص 2000 جنيه من العائد وأعطيه لابني ليسلمه إلى إحدى الجمعيات الخيرية".

يضيف: "يمكن المبلغ صغير، بس أنا مش قادر أتخيل إني آكل وأولاد غزة جعانين، أنا بتبرع بقالي سنتين عشان ربنا يبارك في رزقي، إحنا اتخلقنا عشان نساند بعض، غزة مش بعيدة عننا، أولادهم زي أولادي، حتى المبلغ البسيط اللي بطلعه، ربنا بيعوضني أضعافه".

رغم مرور عامين على الحرب ما زال التضامن مع أهل غزة عادة لا تنكسر لدى الأسر البسيطة في القرى والنجوع، فرغم ضيق الحال لدى "أم محمد وعاصم وعبدالعال" ظلّت أياديهم ممدودة بالعطاء.