في أقصى جنوب مصر، حيث تخرج تجارب سينمائية شابة تحاول التقاط تفاصيل الحياة اليومية وتحويلها إلى أعمال بصرية تعكس تناقضات الواقع، يبرز من أسوان المخرج محمد صديق سليمان، 40 عامًا، الذي بدأ شغفه بالكتابة قبل نحو 15 عامًا عبر القصص القصيرة، قبل انتقاله إلى كتابة السيناريو، وكرس جهده لتطوير أدواته في صناعة الفيلم.
بدأ سليمان رحلته مع السينما عام 2023 من خلال ورش مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة، وعاد إلى المهرجان في الدورة العاشرة التي أُقيمت في أبريل الماضي، بفيلم "رونالدو" من إخراجه ضمن برنامج أفلام الورش، وهو عمل لا تتجاوز مدته ثلاث دقائق و20 ثانية، لكنه يطرح قضية شائكة تتعلق بالتحرش، من خلال شخصية تحمل ماضيًا مختلفًا وتحولات نفسية معقدة.

كما شارك سليمان في عدد من الأفلام القصيرة، كتب أربعة منها، ومثّلت بعض أعماله مصر في مهرجانات عربية مثل فيلم "نوراة" في مهرجان قرطاج عام 2024، وفيلم "الحلم البعيد" في مهرجان الدار البيضاء للأفلام العربية عام 2023، وحصدت تجاربه حضورًا وجوائز في دورات سابقة، في مسار يعكس سعيًا متواصلًا لإثبات الذات داخل السينما المستقلة.
في هذا الحوار، يكشف محمد صديق سليمان كواليس تجربته مع الفيلم، ورؤيته الفنية، وكيف تعامل مع قضية حساسة عبر لغة السينما القصيرة وكذلك عن مشاركته في مهرجان أسوان.
- في البداية أخبرنا من أين جاءت لك فكرة الفيلم؟
جاءت الفكرة من رغبتي في مناقشة قضية التحرش، باعتبارها موجودة في المجتمع، حتى وإن اختلفت نسبتها من مكان إلى آخر، ففي أسوان قد تكون أقل مقارنة بمدن كبرى، لكنها لا تزال حاضرة. شعرت أن هذه القضية تحتاج إلى طرح فني لا يكتفي بعرضها كظاهرة، بل يحاول أيضًا فهم أبعادها النفسية والاجتماعية.
- لماذا اخترت اسم "رونالدو" هل هناك دلالة ما على اسم الفيلم؟
العنوان هو اسم الشخصية الرئيسية، لكنه يحمل دلالة مهمة. فالبطل كان شابًا رياضيًا في شبابه، يمارس كرة القدم وكان ناجحًا ومحبوبًا في محيطه، كما كان معجبًا بشدة باللاعب رونالدو، إلى درجة أن من حوله أطلقوا عليه هذا اللقب.
الاسم هنا يعكس مرحلة سابقة من حياته كان فيها شخصًا طبيعيًا ومندمجًا في المجتمع، قبل أن يتعرض لظروف نفسية واجتماعية قاسية غيّرت مساره تمامًا، وأدخلته في حالة من الاضطراب النفسي انعكست على سلوكه.

- ضمن مهرجان معنيّ بقضايا المرأة، أين ترى نقطة التقاطع الحقيقية بين الفيلم وسياق المهرجان؟
التقاطع واضح، لأن الفيلم يتناول قضية التحرش، وهي من أكثر القضايا ارتباطًا بقضايا المرأة، أي مهرجان يهتم بقضايا المرأة لا بد أن يضم أعمالًا تلامس هذه الإشكاليات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وبالتالي فوجود الفيلم ضمن هذا السياق أمر طبيعي.
وفي الوقت نفسه، أرى أن أهمية هذا التقاطع لا تتوقف عند عرض القضية فقط، بل تمتد إلى فتح مساحة للنقاش حولها من زوايا مختلفة، فالمهرجان يمنح الأفلام فرصة أن تُشاهَد في سياق يضعها داخل حوار أوسع مع الجمهور وصنّاع السينما، وليس كعمل منفرد بمعزل عن قضيته.
- كيف اشتغلت على بناء ملامح الشخصية الرئيسية من الداخل؟
بدأت من الداخل، أي من الدوافع والتاريخ النفسي للشخصية. كان مهمًا بالنسبة لي أن أوضح أنه لم يكن شخصًا فاشلًا أو مهمشًا، بل كان ناجحًا وفاعلًا في مجتمعه. لكن الصدمات التي مر بها غيّرت نظرته للحياة وللنساء، وأدخلته في حالة نفسية معقدة انعكست على سلوكياته. بعد ذلك بنيت الأفعال على هذا الأساس الداخلي.
- هل يعتمد البناء السردي في الفيلم على الحكاية أم على الحالة النفسية؟
يمكن القول إنه يجمع بين الاثنين. فهناك حكاية واضحة لشخص تعرّض لصدمات عاطفية متكررة أثرت عليه نفسيًا، وفي الوقت نفسه هناك تركيز على الحالة الداخلية التي وصل إليها، وكيف انعكست هذه الصدمات على نظرته وسلوكه تجاه الآخرين.
وفي هذا المزج بين الحكاية والحالة النفسية، يحاول الفيلم ألا يقدّم الشخصية بوصفها مجرد حدث درامي، بل ككائن إنساني تتداخل داخله الأسباب والنتائج، بحيث يصبح ما يعيشه على السطح انعكاسًا مباشرًا لما يعتمل داخله من اضطراب وتراكمات.
- إذا حُذف عنصر أساسي واحد من الفيلم، ما الذي سيسقط معه بالكامل؟
شخصية "رونالدو" نفسها، لأنها تمثل محور العمل بالكامل، وغيابها يعني غياب الحكاية والصراع معًا، ولأن الشخصية ليست مجرد عنصر داخل السرد، بل هي البنية التي يقوم عليها الفيلم كله، بحيث يرتبط وجوده وتطوره بوجود "رونالدو" نفسه كقلب للحكاية ومحرك لصراعها الأساسي.
- هل كان هناك مشهد راهنت فيه على الصمت بدلًا من الشرح المباشر؟
نعم، في المشهد الأخير تحديدًا. اعتمدت على الإيحاء البصري دون تقديم تفسير مباشر، حيث يفهم المشاهد من السياق أن الشخصية لم تتغير، وأن السلوك الذي تعاني منه ما زال مستمرًا. كما أن النهاية جاءت شبه مفتوحة، لتؤكد أن هذه المشكلة لا تزال قائمة في الواقع.
- هل شعرت بوجود فجوة بين نيتك الفنية وتلقي الجمهور للفيلم؟
لاحظت أن بعض المشاهدين كانوا يتوقعون أن يكون الفيلم أطول قليلًا، وشعروا أن الحكاية يمكن أن تتحمل مساحة زمنية أكبر. لكن في المقابل، أرى أن طبيعة الفيلم القصير تفرض درجة عالية من التكثيف، حيث يجب تقديم الفكرة والدخول مباشرة في الحدث دون إطالة. الفكرة هنا ليست في مدة الفيلم، بل في قدرته على إيصال رسالته بوضوح.
- ما السؤال الذي تتمنى أن يخرج به الجمهور بعد مشاهدة الفيلم؟ وكيف تجيب عنه أنت؟
السؤال هو هل ستستمر شخصية "رونالدو" في هذا السلوك، أم يمكن أن تتغير؟
وإجابتي أنني أرى أن الأمر قد يستمر، لأننا لا نتحدث عن حالة فردية فقط، بل عن ظاهرة اجتماعية أوسع. هذه المشكلة موجودة في المجتمع وتحتاج إلى وقت وجهود متعددة لمعالجتها بشكل حقيقي.
- لو أُتيحت لك فرصة إعادة كتابة الفيلم، ما الذي ستعيد النظر فيه؟
لن يكون التغيير جذريًا، لكنني كنت أفضل أن يكون الفيلم أطول قليلًا، لأن هناك إحساسًا بأن الجمهور يرغب في التعمق أكثر في التفاصيل.