في صبيحة عيد الأضحى داخل قرى محافظة أسوان، لا يبدأ المشهد بصوت التكبيرات وحده، بل بحركة مألوفة توارثتها العائلات، ساحات واسعة تصطف فيها الجمال تنسج صورة هي جزء أصيل من طقوس العيد في المحافظة.
اختيار الجمل كأضحية لدى كثير من الأسر الأسوانية ليس مجرد تفضيل اقتصادي، بل عادة اجتماعية متجذرة تدل على الكرم، ورغم ارتفاع الأسعار لا تزال الأسر تحرص على نحر الجمال حتى بالمشاركة، وفقًا لأهالي تحدثوا مع "عين الأسواني" عن تمسكهم بتلك العادة.

عادة متوارثة عبر الأجيال
يقول حذيفة حمزة، الستيني من مركز دراو، أحد الذين شاهدوا تلك العادة في الماضي ولا يزال متمسكًا بها: "الأمر يتجاوز كونه عادة موروثة إلى فلسفة اجتماعية متكاملة ترتبط بفكرة العطاء والمشاركة".
ويوضح أن الجمل يحظى بمكانة خاصةً بين الأهالي في أسوان، ليس فقط لأنه يكفي عددًا أكبر من المشتركين، بل لأنه يحقق الغاية الأساسية من الأضحية، وهي إطعام أكبر عدد ممكن من الناس.
وعن كيفية الاستمرار في هذه العادة رغم ارتفاع الأسعار: "الجمل الذي يصل سعره إلى نحو 100 ألف جنيه يمكن أن يشترك فيه خمسة أفراد، لتكون تكلفة الفرد الواحد قرابة 20 ألف جنيه، مقابل كمية من اللحوم تفوق كثيرًا ما يمكن الحصول عليه من خروف بنفس القيمة".
ويشير حمزة إلى أن أسعار الجمال شهدت ارتفاعًا ملحوظًا خلال العام الأخير، إذ قفزت من 70 ألف جنيه إلى 100 ألف جنيه، إلا أن هذا الارتفاع لم يضعف تمسك الأهالي بالعادة، مؤكدًا أن كثيرين ما زالوا يحرصون عليها باعتبارها جزءًا من هوية العيد في أسوان.
ويحمل أحمد رجب، 54 عامًا من كوم أمبو، نفس الشعور تجاه عادة ذبح الجمال باعتبارها جزءًا من ذاكرة عائلية ممتدة.
بالنسبة له، كانت تفاصيل العيد دائمًا مرتبطة بمشهد الجمل في الساحات المفتوحة، وبالتجمعات التي تبدأ منذ ساعات الفجر الأولى استعدادًا للنحر: "إحنا اتربينا على كده، أبويا وجدي كانوا دايمًا في العيد لازم يدبحوا جمل".

ذكريات عيد الأضحى
ويستعيد أحمد صورًا قديمة من طفولته، حين كان يقف إلى جوار الرجال يراقب تجهيزات الذبح، بينما ينشغل كل فرد داخل العائلة بدور محدد، من الإمساك بالحبال إلى تجهيز اللحوم وتوزيعها على الأهالي بعد انتهاء النحر.
وقديمًا، بحسب أحمد كانت تُقاس قيمة العائلة في أسوان بقدرتها على العطاء وإطعام أكبر عدد ممكن من الناس في العيد، موضحًا: "زمان اللي يدبح جمل الناس كلها تعرفه، مش تفاخر بس، لكن لأنه بيطعم ناس كتير".
نفس الحنين يستشعره حسن السيد خالد، 32 عامًا من دراو، الذي يستعيد مشاهد العيد القديمة، حين كان نحر الجمل حدثًا تنتظره القرية بأكملها، لا العائلة فقط: "كان يوم كبير، الناس تتجمع، والأطفال تتفرج، وبعدها توزيع اللحمة يبقى زي احتفال، بتقوي الروابط بين الأهالي ومفيش حد بيمشي من غير لحمة".
ويرى أن العادة كانت تعبر عن شكل التضامن الاجتماعي، حيث تتشارك العائلات في الأضحية ليس فقط لتقليل التكلفة، بل لترسيخ فكرة الجماعة: "إحنا كنا بنحس إننا كلنا داخلين في حاجة واحدة".

طقوس النحر.. خبرة متوارثة
ولا ترتبط مكانة الجمل في أسوان بالحسابات الاقتصادية وحدها، بل بخبرة متوارثة يعرف من خلالها الأهالي تفاصيل دقيقة تتعلق بالأضحية وشروطها، إذ يشرح حذيفة واحدة من العلامات التي يعتمدون عليها للتأكد من بلوغ الجمل السن الشرعي للذبح، والمعروفة بينهم باسم "كاسر جوز".
يقول: "لازم يكون بدل سنتين من سنانه، ساعتها بس نقول عليه صالح للذبح"، موضحًا أن الأهالي اعتادوا على اعتبار الجمل غير صالح للأضحية ما لم يبلغ السن المناسبة.
ويضيف أن هذه التفاصيل تعكس طبيعة العلاقة الخاصة التي تربط أبناء أسوان بتربية الجمال والتعامل معها، باعتبارها جزءًا من تقاليد قديمة.
بينما يؤكد رجب أن مع مرور الوقت أصبح يُنظر إلى الجمل باعتباره رمزًا للصبر والقوة والقدرة على التحمل، وهي صفات يعتز بها أبناء القبائل: "كأن العيلة بتقدم أفضل حاجة عندها، ورغم أن أعداد الجمال بتقل لكن العادة لسه حاضرة".
ويتفق معه حسن السيد الذي يؤكد أن جوهر العادة ما زال حاضرًا حتى مع تغيّر بعض التفاصيل: "ممكن العدد يقل، ممكن الناس تشترك أكتر، بس الفكرة نفسها لسه موجودة".
تظل الجمال في عيد الأضحى داخل قرى أسوان أكثر من مجرد أضحية تُذبح كل عام؛ فهي عادة تحمل ملامح الهوية والذاكرة الجماعية لأبناء المحافظة.