"النوم بقى صعب وسط الدوشة.. حتى ركن العربية بقى أزمة، بفكر أسيب المنطقة لأن الموضوع تحول لكابوس"، بهذه الكلمات يلخص هيثم محمد، أحد سكان منطقة صقر قريش، معاناته اليومية مع انتشار ورش صيانة السيارات داخل الكتلة السكنية.
في المقابل، يرفض عمرو حازم، صاحب ثلاث ورش لصيانة السيارات بالمنطقة، فكرة نقل نشاطه، موضحًا أنه يعمل في صقر قريش منذ عام 2005، وأن الورش أصبحت مصدر رزقه ورزق العاملين معه، كما أن علاقته بزبائنه تكونت على مدار سنوات طويلة.
ويقول إن نقل الورش إلى منطقة بعيدة سيؤثر على عمله، خاصة أن معظم الصنايعية يقيمون في البساتين ودار السلام، وسيواجهون صعوبة في الوصول إلى الموقع الجديد.
الورش تحاصر السكان
تمثل أزمة صقر قريش نموذجًا لصدام المصالح بين السكان وأصحاب الورش، فالسكان يطالبون بحقهم في بيئة سكنية آمنة وهادئة، بعيدًا عن الضوضاء والازدحام ومخلفات الصيانة، بينما يتمسك أصحاب الورش بالبقاء في المنطقة التي ارتبطت بها مصادر رزقهم، خشية فقدان زبائنهم إذا نُقلوا إلى أماكن بعيدة أو غير مجهزة.
وتجدد الجدل حول الأزمة خلال الأسبوع الماضي، بعد الحريق الذي اندلع في 30 يونيو الماضي داخل ورشة نجارة أسفل عقار سكني بمنطقة منشأة ناصر، ما أعاد مخاوف سكان صقر قريش من تكرار سيناريو مشابه، ودفعهم إلى تجديد مطالبهم بنقل الورش.
وتمتد ورش صيانة السيارات من مدخل صقر قريش بالقرب من طريق الأوتوستراد حتى امتداد الطريق الدائري باتجاه مستشفى جراحات اليوم الواحد بالبساتين.
وفي مطلع يوليو الجاري، تقدم النائب إسلام قرطام، عضو مجلس النواب عن دائرة البساتين ودار السلام، بطلب إحاطة بشأن تأخر تنفيذ خطة نقل وتقنين أوضاع الورش، مطالبًا بسرعة اتخاذ إجراءات تحد من آثارها البيئية والضوضائية، لحين الوصول إلى حل نهائي للأزمة.
ويقول هيثم محمد، الذي يقيم في المنطقة منذ عشر سنوات، إنه لاحظ زيادة ملحوظة في عدد الورش، موضحًا أن أسفل منزله وحده توجد ثلاث ورش تمتد أمامها سيارات تعوق حركة المارة، بينما تتسلل روائح العوادم ومواد الصيانة إلى داخل منزله.
وأضاف: "بقيت أخاف أصحى ألاقي البيت مولع بسبب ورشة، أو حد من أولادي يصاب بحساسية أو مشاكل في التنفس. غير إنهم أصلًا مش بيعرفوا يناموا بسبب الأصوات".
خسائر للطرفين
ويرى عمرو حازم أن نقل ورش السيارات يختلف عن نقل الأنشطة الحرفية الأخرى، مثل ورش الجلود التي انتقلت إلى مدينة الروبيكي، لأن صيانة السيارات تعتمد على قرب الورشة من العملاء، خاصة في أعمال الإصلاح السريع.
ويؤكد أن أغلب زبائنه من سكان الأحياء المجاورة، وأن نقل الورشة يعني خسارة مشروع بناه على مدار سنوات.
ويعاني عمرو نبيل، أحد سكان المنطقة، من حساسية صدرية يقول إنها تفاقمت بعد افتتاح ورشة لطلاء السيارات أسفل منزله قبل خمس سنوات.
ويؤكد أن استنشاق المواد الكيميائية بشكل يومي حوّل الحساسية الموسمية التي كان يعاني منها إلى مشكلة مزمنة، مضيفًا أنه لا يملك القدرة المالية على الانتقال إلى منطقة أخرى، كما أن بيع شقته أصبح صعبًا بسبب سمعة المنطقة.
وبحسب محافظة القاهرة، أعلنت نائبة المحافظ للمنطقة الجنوبية في ديسمبر 2019 الانتهاء من تجهيز موقع بديل لورش صقر قريش بامتداد شارع الخمسين على طريق العين السخنة، ويضم 133 ورشة بمساحات تتراوح بين 25 و50 مترًا مربعًا، إضافة إلى مول تجاري، تمهيدًا لبدء نقل بعض الورش.
لكن، وبعد مرور سنوات، لا تزال الأزمة قائمة.
الحل.. موقع بديل
يرى الدكتور أحمد صلاح، أستاذ التخطيط العمراني بكلية الهندسة جامعة عين شمس، أن جذور الأزمة تعود إلى السماح بإقامة ورش داخل المناطق السكنية قبل نحو عشرين عامًا، دون مراعاة التخطيط العمراني أو التأثير البيئي.
وأوضح لـ"صوت السلام" أن وقف إصدار هذه التراخيص حدّ من تكرار المشكلة، لكنه شدد على ضرورة الإسراع في تنفيذ خطة نقل الورش إلى مناطق مجهزة، مع توفير وسائل مواصلات مناسبة للعاملين، حفاظًا على مصالحهم، وفي الوقت نفسه حماية صحة السكان وحقهم في بيئة آمنة.
من جانبها، تقول خلود حسن، الطالبة بالصف الثالث الثانوي، إنها كانت تضطر إلى مغادرة المنزل للمذاكرة، أو الانتظار حتى ما بعد منتصف الليل، بسبب الضوضاء المستمرة الصادرة عن الورش.
وأضافت أن الأصوات أصبحت جزءًا من الحياة اليومية في المنطقة، لكنها لا تسمح بحياة طبيعية أو بتركيز الطلاب.
ورغم رفض كثير من أصحاب الورش فكرة النقل، حاول بعضهم التخفيف من آثار الأزمة، ويقول سمير عبد المنعم، مالك إحدى الورش، إنه توقف عن تنفيذ أعمال الصيانة التي تصدر أصواتًا مرتفعة بعد السادسة مساءً، مكتفيًا بالأعمال البسيطة، رغم ما يسببه ذلك من خسائر مالية، مراعاةً للسكان.
لكنه يرفض نقل ورشته، مؤكدًا أنه يعمل بالمكان منذ 15 عامًا، وأن نقل النشاط قد يعني خسارة زبائنه وتجارتِه، خاصة أنه يمتلك الورشة بنظام التمليك ولا يضمن الحصول على تعويض أو مساحة مماثلة.
وحاولت "صوت السلام" التواصل مع النائب إسلام قرطام، عضو مجلس النواب عن دائرة البساتين ودار السلام، وكذلك مع الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، عبر الهاتف وتطبيق "واتس آب"، للتعليق على الأزمة وخطة المحافظة لحلها، إلا أنه لم يرد حتى موعد النشر.