تقف مودة محمود، 26 عامًا، أمام قسم الحسابات بإحدى المدارس الحكومية في محافظة الجيزة، تنتظر دورها وسط نحو 15 معلمًا آخر لصرف مستحقاتها المالية المتأخرة. وبعد انتظار، تغادر المكتب حاملة 6000 جنيه، تمثل راتب ثلاثة أشهر متأخرة صُرفت دفعة واحدة في يوليو الماضي، بواقع 2000 جنيه عن كل شهر. لم يكن المبلغ كافيًا لتعويض ما تكبدته من ديون، بعدما اضطرت إلى الاستدانة طوال تلك الفترة لتغطية تكاليف المواصلات ونفقاتها اليومية حتى تتمكن من الذهاب للمدرسة.
مودة، المقيمة في حي دار السلام بالقاهرة، تخرجت في كلية التربية، قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة عام 2023، ثم حصلت على الدبلومة التربوية المؤهلة للعمل بالتدريس.
زيادة ضغط وتأخير رواتب
تقول: "بعد أشهر من البحث عن فرصة عمل في مدرسة حكومية أو خاصة، لم أجد سوى العمل بنظام معلم الحصة بإحدى المدارس الابتدائية الحكومية، مقابل 35 جنيهًا للحصة بمعدل من 50 إلى 60 حصة شهريًا".
يواجه معلمو حصة في مدارس حكومية أوضاعًا وظيفية متشابهة، في ظل عقود مؤقتة تعتمد على عدد الحصص التي يدرسونها، دون تمتعهم بالحقوق الأساسية التي يكفلها قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، مثل الحد الأدنى للأجور، والتأمينات الاجتماعية والصحية، والإجازات المدفوعة الأجر.

وتتراوح قيمة الحصة بين 35 و50 جنيهًا، وفقًا للمرحلة التعليمية، بينما تتأخر المستحقات المالية في كثير من الأحيان لعدة أشهر، ما يدفع بعضهم إلى الاستدانة أو البحث عن أعمال إضافية لتوفير احتياجاتهم الأساسية.
وتزامن التوسع في الاستعانة بمعلمي الحصة مع سعي وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني إلى مواجهة العجز المتزايد في أعداد المعلمين داخل المدارس الحكومية، بعد خروج أعداد كبيرة إلى المعاش، واستمرار نقص التعيينات خلال سنوات متعاقبة، وهو ما جعل نظام العمل بالحصة أحد الحلول المؤقتة لسد الفجوة داخل الفصول، لكنه في الوقت نفسه خلق شريحة من المعلمين تعمل خارج مظلة الحماية الوظيفية الكاملة.
ويأتي ذلك في إطار قرار وزارة التربية والتعليم رقم 202 لسنة 2013 بشأن توزيع أعضاء هيئة التعليم وندب ونقل المعلمين، والذي نص على إعادة حصر أعداد المعلمين وتحديد المواد والتخصصات التي تعاني من عجز على مستوى المحافظات، بما يتيح الاستعانة بمعلمي الحصة لسد هذا العجز.
تنص المادة 12 من الدستور المصري على أن: "العمل حق، وواجب، وشرف تكفله الدولة، ولا يجوز إلزام أي مواطن بالعمل جبرًا إلا بمقتضى قانون، ولأداء خدمة عامة، ولمدة محددة، وبمقابل عادل وحقوق أساسية".
تضيف مودة: "تطلب مني إدارة المدرسة حصص إضافية وحصص إشراف مدرسي، أو تصحيح امتحانات مواد أخرى في نهاية العام الدراسي، مما يجعلني أعمل أحيانًا قرابة 10 ساعات يوميًا".
في العام نفسه الذي بدأت فيه مودة العمل بنظام معلم الحصة، أعلن محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، التعاقد مع 50 ألف معلم بالحصة في مختلف الإدارات التعليمية، بالتزامن مع استمرار تنفيذ المبادرة الرئاسية لتعيين 30 ألف معلم سنويًا لضخ كوادر جديدة في المدارس الحكومية.
رغم هذه التعيينات، كشف الوزير أن إجمالي عدد المعلمين يبلغ 843,490 معلمًا، بينما يصل العجز إلى 469,860 معلمًا، وهو ما يعكس استمرار اعتماد الوزارة على نظام معلمي الحصة لسد النقص داخل الفصول الدراسية.
ويرجع محمود عبد الرحيم، المحامي والحقوقي المتخصص في قضايا حقوق العمال، أزمة معلمي الحصة إلى طبيعة العلاقة التعاقدية نفسها، موضحًا أن العقد يقوم على أداء عدد محدد من الحصص، ولا يُعد من عقود العمل المحددة أو غير المحددة المدة التي ترتب حقوقًا وظيفية كاملة للعاملين.

ويضيف عبد الرحيم، لـ"صوت السلام"، أن غياب معلمي الحصة عن مظلة قانون العمل يحرمهم من حقوق أساسية، مثل الحماية من الفصل التعسفي، والتعويض عن مخاطر العمل، والعلاوات الدورية، والإجازات السنوية مدفوعة الأجر، فضلًا عن التأمين الصحي والاجتماعي.
وللتحقق من واقع هذه الأوضاع، أجرت "صوت السلام" مقابلات مع 10 معلمي حصة في إدارة دار السلام التعليمية بالقاهرة. وأكد جميعهم أن قيمة الحصة تبلغ 35 جنيهًا لمعلمي المرحلتين الابتدائية والإعدادية، و50 جنيهًا لمعلمي المرحلة الثانوية.
عجز في الأعداد
وتتوافق هذه الأرقام مع قرار وافق عليه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، في أغسطس 2024، بالتنسيق بين وزارتي المالية والتربية والتعليم والتعليم الفني، يقضي برفع قيمة الحصة لخريجي الكليات المؤهلة للتدريس من 20 جنيهًا إلى 50 جنيهًا للحصة الواحدة، في محاولة لتحسين المقابل المالي لمعلمي الحصة، إلا أن المعلمين أكدوا أن زيادة قيمة الحصة لم تنعكس على أوضاعهم الوظيفية.
من بينهم نور أيمن، 26 عامًا، التي كانت تعتقد أن العمل معلمة حصة قد يكون بوابتها للحصول على وظيفة دائمة، إلا أن ذلك لم يحدث: "بعد عام كامل من تدريس مادة العلوم للمرحلة الابتدائية في إحدى المدارس الحكومية في شبرا، فوجئت برفض المدرسة تجديد التعاقد معي، وأبلغتني الإدارة التعليمية بضرورة الانتقال إلى مدرسة أخرى تبعد عن محل سكني في دار السلام بنحو ساعة".
رفضت نور الانتقال بسبب ارتفاع تكلفة المواصلات، وطالبت بالاستمرار في المدرسة التي كانت تعمل بها إلا أن الإدارة التعليمية تمسكت بقرارها، فلم تجد أمامها سوى ترك العمل والبحث عن فرصة أخرى.
ويرتبط هذا الوضع بطبيعة عقد معلمي الحصة، الذي يقوم على أداء عدد محدد من الحصص وفقًا للجدول الدراسي الأسبوعي، دون أن يمنح المعلم حق الاستمرار في المدرسة نفسها أو ضمان تجديد التعاقد مع نهاية العام الدراسي.
إزاء ذلك، ينفي حسن الصعيدي، مدير إدارة دار السلام التعليمية، لـ"صوت السلام" مسؤولية الإدارة عن أوضاع معلمي الحصة الحالية، مكتفيًا بالتأكيد على أنها تعلن في بداية كل عام دراسي عن احتياجات المدارس من المعلمين لسد العجز، ثم تتلقى طلبات المتقدمين وتوزعهم على المدارس وفقًا للاحتياجات الفعلية.

بينما يؤكد عبد الرحيم، المحامي الحقوقي، أن من حق المعلمين مطالبة الإدارة التعليمية بتوفير التأمينات، باعتبار أن المدرسة هي جهة إشرافهم المباشرة، كما تتحمل مسؤولية إصابات العمل التي قد يتعرضون لها أثناء أداء مهامهم.
وفي المقابل، يوضح مدير إحدى المدارس الإعدادية التابعة لإدارة دار السلام التعليمية، طلب عدم نشر اسمه، أن المدرسة تعاني عجزًا يقترب من نصف عدد المعلمين المطلوبين: "المدرسة تضم نحو 16 معلمًا يعملون بنظام الحصة، والتعاقد معهم وتجديده يخضعان لقرارات الإدارة التعليمية ووزارة التربية والتعليم، بينما يقتصر دور إدارة المدرسة على طلب التجديد أو عدمه مع نهاية العام الدراسي".
وأشار مدير المدرسة إلى أنه لا يؤيد استمرار أوضاع معلمي الحصة دون حقوق وظيفية، لكنه أكد أن مديري المدارس لا يملكون صلاحية تعيينهم أو تعديل طبيعة تعاقدهم.
وفي محاولة لمعالجة أزمة نقص المعلمين، أعلن محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، بالتعاون مع الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، رفع الحد الأقصى لسن المتقدمين من معلمي الحصة لشغل وظائف "معلم مساعد" إلى 45 عامًا، موضحًا أن القرار يستهدف استيعاب أكبر عدد من معلمي الحصة، تقديرًا لدورهم في سد العجز داخل المدارس خلال السنوات الماضية.
ورغم هذه الإجراءات، لم تحقق المسابقات حلم التعيين لكثير من معلمي الحصة، ومن بينهم حاتم أمجد، 30 عامًا، الذي يعمل معلمًا للحصة في مادة اللغة الإنجليزية منذ نحو ست سنوات في إحدى المدارس الحكومية بمنطقة مصر القديمة: "خلال هذه الفترة، تحملت تدني المقابل المالي وتأخر صرف مستحقاتي، على أمل الحصول على وظيفة دائمة".
ومع بداية كل فصل دراسي، كان يطالب إدارة المدرسة بتعيينه، خاصة أنه معلم اللغة الإنجليزية الوحيد فيها، بما يعكس استمرار احتياج المدرسة إلى تخصصه، إلا أن طلبه كان يُرفض في كل مرة.
ومنذ عام 2024، تقدم حاتم إلى ثلاث مسابقات للتعيين، لكنه لم يتمكن من اجتيازها. وتبدأ إجراءات المسابقة بحجز موعد إلكتروني للاختبار عبر موقع الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، ثم يتلقى المتقدم رسالة تحدد موعد ومكان الامتحان داخل مقار الجهاز.
ثغرات التعيين
إلا أن مراجعة "صوت السلام" لمنشورات مجموعات معلمي الحصة على موقع "فيسبوك"، والتي يصل عدد أعضاء بعضها إلى نحو 300 ألف عضو، وتحليل نحو 30 منشورًا تناولت مسابقات التعيين، أظهرت شكاوى متكررة من غياب المعلومات الكافية بشأن نظام الاختبارات، وطبيعة الأسئلة، وآلية توزيع الدرجات.
وفي ظل تصاعد هذه الشكاوى، تقدم النائب الدكتور مختار همام مرسي، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة عاجل إلى رئيس مجلس الوزراء طالب فيه الحكومة بالإعلان عن العدد الإجمالي الحالي لمعلمي الحصة، وتوضيح أسباب تأخر التعيينات، وتدني المقابل المالي، وخطة الوزارة لمراجعته وتحسينه.
ويرى الدكتور محمد كمال، الخبير التربوي وأستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، أن من حق معلمي الحصة الحصول على فرص عادلة للتعيين والتمتع بكامل حقوقهم العمالية، لأن استقرارهم الوظيفي ينعكس مباشرة على استقرار العملية التعليمية وسد العجز في المدارس.

ويشير إلى أن الأزمة تفاقمت خلال العام الجاري مع استمرار تعيين دفعات جديدة، دون معالجة أوضاع معلمي الحصة الذين تحملوا سد العجز لسنوات، وهو ما يمثل، بحسب وصفه، ظلمًا لهم.
ويضيف كمال، لـ"صوت السلام"، أن أحد أبرز أسباب استمرار الأزمة يتمثل في محدودية موازنة وزارة التربية والتعليم، مؤكدًا أن حلها يتطلب تدخل وزارة المالية لتوفير الاعتمادات اللازمة لتعيين معلمي الحصة وتحسين أوضاعهم المالية.
وتتفق هذه الرؤية مع ما يطرحه محمد سيد، الباحث في ملف التعليم بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الذي يرى أن معلمي الحصة لا يحصلون على الحد الأدنى من الحقوق الوظيفية، رغم اعتماد الوزارة عليهم في سد العجز الذي وصل إلى نحو 650 ألف معلم، على الرغم من المبادرة الرئاسية التي استهدفت تعيين 150 ألف معلم.

ويحذر سيد، لـ"صوت السلام"، من أن استمرار هذه الأوضاع لا يؤثر فقط على المعلمين، بل يمتد إلى جودة العملية التعليمية نفسها، نتيجة عدم استقرار الكوادر التعليمية، وصعوبة توفير معلم ثابت في بعض التخصصات,
وتقول مودة محمود: "أتمنى أن نحصل على مقابل عادل للحصة، وتأمينات اجتماعية وصحية". وبينما لا يتجاوز متوسط دخلها الشهري 2500 جنيه، أعلنت الحكومة رفع الحد الأدنى للأجور إلى 8000 جنيه اعتبارًا من يوليو الجاري، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين دخول معلمي الحصة والحد الأدنى المقرر للعاملين.
وتواصلت "صوت السلام" مع محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، عبر الهاتف وتطبيق "واتساب"، للاستفسار عن أوضاع معلمي الحصة، وخطة الوزارة لمعالجة الأزمة قبل بدء العام الدراسي 2026/2027، إلا أنها لم تتلقَّ ردًا حتى موعد نشر التقرير.
كما تواصلت مع شادي زلطة، المتحدث الرسمي باسم الوزارة، ومع خلف الزناتي، نقيب المعلمين، ومحمود علوان، مسؤول المكتب الإعلامي بالنقابة، عبر الهاتف و"واتساب"، دون تلقي رد.
ورغم غياب حصر رسمي لعدد معلمي الحصة في مصر، تكشف أوضاع مودة ونور وحاتم عن واقع شريحة واسعة من المعلمين الذين يسدون جزءًا كبيرًا من العجز داخل المدارس الحكومية، بينما يواجهون أوضاعًا وظيفية غير مستقرة.
جميع أسماء المدرسين/ ات المذكورة في هذا التقرير، مستعارة بناءً على طلبهم\هن وحفاظًا على هويتهم\هن