ربما يكتشف المشاهد بعد ثالث حلقة من مسلسل "لا ترد ولا تستبدل" أن صوت جهاز غسيل الكلى قد تحوّل إلى جزء من الموسيقى التصويرية، وأن الموسيقى المصنوعة للمسلسل جاءت على نفس الإيقاع الخاص بصوت الجهاز، وكأن شريط الصوت في المسلسل يحاكي رحلة "ريم" في البحث عن متبرع بالكلى؛ رحلة بين الأمل واليأس: صوت جهاز الغسيل وصوت موسيقى المسلسل.
بدأ عرض مسلسل "لا ترد ولا تستبدل" على منصة شاهد في ديسمبر الماضي على مدار 15 حلقة، من تأليف دينا نجم وسمر عبد الناصر، وإخراج مريم أبو عوف، وتلعب دينا الشربيني شخصية ريم التي تصاب بفشل كلوي مفاجئ أثناء رحلتها كمرشدة سياحية داخل مدينة المنيا، بينما تمثل شخصية طه التي يؤديها الفنان أحمد السعدني، طريق النجاة، إلى جانب شخصية محمود للممثل حسن مالك شقيق طه، وجارتهم أم أيمن الفنانة فدوى عابد، اللذين يضيفان إلى السياق الدرامي خطوطًا مميزة.
كما أن أفكار المسلسل المرسومة في خطوط الحبكة تنتقل إلى ذهن المتفرج، وتجعله لا يرغب في الوصول إلى الحلقة الأخيرة بقدر رغبته في التفكير في تلك الخطوط، بداية من خط البحث عن متبرع والتعقيدات القانونية والطبية، مرورًا باللحظات الأخيرة قبل عملية زراعة الكلى، وتلاعب الأحداث بشعور الأمل لدى ريم.
ورغم أن دينا الشربيني لم تُقدّم الأداء التمثيلي الأقوى في المسلسل، فإن الشخصية في الأساس مجرد إعادة لتلك الشخصية الطيبة التي تواجه صعاب الحياة، والتي أدتها دينا الشربيني في مسلسلات عديدة مثل "لعبة النسيان" و"زي الشمس".
ينتقل المسلسل بخفة بين عالم الأمل واليأس، وكذلك بين الفقر والثراء. ريم تعيش في شارع 18 بالمعادي، ويعيش طه سائق ريم في شبرا بالقرب من خط القطار.
لكن هذه الخفة تتحقق عبر كاميرا مريم أبو عوف التي صوّرت في شوارع شبرا والمعادي بعد سنوات من التعطش لرؤية شوارع القاهرة على الشاشة.
هذا الانتقال لم يحدث بشكل فجّ، بل محمّل بالتفاصيل المنطقية المتعلقة بعالم كل شخصية؛ حيث يظهر طه وهو يمارس الرياضة داخل جيم بدائي، ويعيش في منزل أثاثه متهالك بينما صوت شارع شبرا في الخلفية، في حين يعتمد منزل ريم على كادرات واسعة وأثاث أكثر ترتيبًا.
وأظن أن هذه العوالم تعود إلى بصمة مريم أبو عوف التي تجعل مسلسلاتها عبارة عن غطس عميق داخل عالم ينتهي مع الحلقة الأخيرة، وبهذه الحرفة يكشف مسلسل "لا ترد ولا تستبدل" درجات مختلفة من الفقر لا تُسرد دراميًا إلا قليلًا.
إذ إن فقر محمود شقيق طه يجبره على سرقة مرايا السيارات ثم محاولة بيع كليته، بينما يحتاج طه إلى 8 آلاف جنيه حتى يسافر ويتخلص من هذا الفقر عبر تحقيق حلم السفر إلى الخليج.
كل هؤلاء يجمعهم مكان واحد: القاهرة. القاهرة التي تجمع شبرا والمعادي، طه وريم اللذين يصنع بينهما المسلسل قصة حب خيالية تكررت كثيرًا في الأفلام والمسلسلات؛ حب السائق لـ"الهانم"، لكنها تُقدّم هنا بشكل رومانسي خفيف.