في أحد المجمعات السكنية -الكومباوند- بالشيخ زايد، يبدأ المتفرج رحلته إلى عالم صلاح وأسرته، وسط غابات إسمنتية مصممة بدقة متناهية، وعلى وقع موسيقى حالمة تمهّد لحدث خاص، منذ المشهد الأول، تُمسك الصورة بيد المشاهد وتأخذه من مقعد السينما إلى عالم فيلم "فيها إيه يعني؟"، حيث تتنقل الكاميرا بخفة بين أحياء القاهرة القديمة والجديدة، في إطار رومانسي كوميدي دافئ.
الفيلم من تأليف وليد المغازي ومصطفى عباس ومحمد أشرف، وإخراج عمر رشدي، ويقوم ببطولته ماجد الكدواني في دور "صلاح"، وغادة عادل في شخصية "ليلى"، بينما تجسد أسماء جلال شخصية "ندى" ابنة صلاح، ويؤدي مصطفى غريب دور زوجها "علاء".
تدور القصة حول المهندس المتقاعد صلاح الذي يعيش مع ابنته وزوجها وحفيدته في فيلا فخمة بالشيخ زايد، لكنه يقرر العودة إلى شقته القديمة في مصر الجديدة، حيث ذكريات شبابه وقصة حبه الأولى.
يشكل الانتقال من الشيخ زايد إلى مصر الجديدة محورًا رئيسيًا في الحبكة، إذ يحرك الأحداث كلها في تسلسل منطقي، ويسهم في تطور الشخصيات وحل عقدها في النهاية، ورغم أن فكرة الانتقال المكاني كأداة درامية قديمة في الأدب والسينما، تعود جذورها إلى مسرحية "أوديب ملكًا" لـ"سوفوكليس" هو أحد أعظم كتاب التراجيديا الإغريقية قبل الميلاد، إلا أن تميّز الفيلم يكمن في تصويره الحديث لمظاهر العمران في القاهرة عام 2024، حيث تصبح المدينة نفسها شخصيةً فاعلة في السرد.
تُبرز الكاميرا الفارق بين تلك الأحياء، حيث يبدو الرقي في القاهرة الجديدة مرتبطًا بالتنظيم الدقيق للمباني والطرق، التي تظهر في لقطات علوية منتظمة إلى حد الصرامة، أما في مصر الجديدة، يتجسد الرقي في دفء الأشجار التي تتشابك فروعها وتغمر المشهد، حتى لتكاد تنافس الممثلين على الشاشة.
ويحضر مفهوم "البلكونة" في مصر الجديدة كرمز للتواصل والسكينة، إذ تنشأ منها مواقف إنسانية وكوميدية على السواء، وتُشكّل متنفسًا لشخصية صلاح، محاطة دومًا بالخضرة وضوء الشمس، في المقابل، يغيب هذا العنصر تمامًا عن مشاهد الشيخ زايد، وكأن العمران الحديث تخلّى عن تلك المساحة التي كانت تربط الإنسان بجيرانه وبالطبيعة.
أما الإضاءة، تعكس بدورها روح المكان؛ داخل فيلا صلاح في الشيخ زايد تهيمن الإضاءة البيضاء الصناعية التي توحي بالبرود والاصطناع، بينما تنعم شقته القديمة في مصر الجديدة بضوء الشمس الطبيعي، أو بإضاءة الشارع المتسللة إلى الشرفات في مشاهد الليل.
ورغم أن "فيها إيه يعني؟" يبقى فيلمًا كوميديًا خفيفًا يثير مشاعر لطيفة لدى المشاهد، دون أن يعلن صراحةً عن نقدٍ عمراني أو فلسفي، فإن الرحلة بين القاهرتين تكشف -ولو بشكل غير مقصود- عن مفارقة إنسانية عميقة بين حياة منظمة تخلو من الدفء داخل الكمباوندات، وأخرى بسيطة تنبض بالحياة بين شرفات مصر الجديدة وأشجارها القديمة.