وجبة "أم هاشم".. عطاء سنوي في مولد السيدة زينب

تصوير: مريم أشرف - نفحة السيدة زينب

كتب/ت مريم أشرف
2026-01-14 14:00:05

في السابعة صباحًا، يستيقظ حمدي عابدين، 67 عامًا، من أبناء إحدى الطرق الصوفية بمحافظة قنا، يتوجه إلى القاهرة حيث مولد السيدة زينب. يصل قبل بدء المولد بنحو 15 يومًا، يحمل معه لحم العجول والمواشي التي اعتنى بها طوال عام كامل منذ انتهاء المولد السابق، استعدادًا لذبحها من أجل "أم هاشم" وتقديم وجبات "النفحة" المكونة من رغيف خبز محشو باللحم والأرز.

في خيمة "أشراف قنا" بالقرب من مسجد السيدة زينب حيث تفوح رائحة اللحم والأرز، يصل عابدين ويجلس أمام منضدة كبيرة، وتتجه نحوه أنظار الزائرين في انتظار الوجبة التي أصبحت عنصرًا أساسيًا من طقوس المولد على مر السنوات. 

نفحة السيدة زينب

من قنا إلى السيدة.. العطاء مستمر

بينما يواصل عابدين تجهيز الخبز والأرز واللحم، وقد امتلأت يداه بآثار المكونات، يتذكر بداياته قائلًا: "اتعلمت أعمل نفحة العيش والرز واللحمة من والدي الله يرحمه، كنت طفل أقل من 10 سنين، وكان يعلمني أفتح العيش وأرص المكونات ومن يومها لحد دلوقتي لازم أجي المولد وأعلمها".

تعبّر وجبة "النفحة" عن جانب اجتماعي وإنساني في الموالد الصوفية، قائم على المشاركة والعطاء وإطعام الزائرين دون مقابل، وتكشف عن أحد ملامح الثقافة الشعبية التي لا تزال حية في الموالد المصرية على رأسها مولد السيدة زينب.

بدأ مولد السيدة زينب يوم الأحد الماضي داخل المسجد بالقاهرة وفي الشوارع المحيطة به، بعدما حضر أبناء الطرق الصوفية من كل المحافظات، للاحتفال بالليلة الكبيرة الختامية التي كانت أمس الثلاثاء، وشهدت توزيع أكبر قدر من الوجبات على يد أبناء تلك الطرق.

نفحة السيدة زينب

يقول عابدين: "الوجبة دي بقت علامة من علامات المولد، لأنها أحسن حاجة نقدر نأكل بيها ناس كتير في وقت قليل، علشان يكملوا طقوس المولد براحتهم، وده مش عندنا بس، أغلب الطرق الصوفية اللي جاية من الصعيد بتعمل نفس الفكرة؛ بياخدوا معاهم اللحمة والرز من محافظتهم، ولما يوصلوا هنا يشتروا العيش من مخابز السيدة".

يضيف: "النفحة بتتعمل كمان في مولد الحسين والسيدة نفيسة والسيدة عائشة، بس ارتبطت أكتر بأم هاشم علشان طبيعة المولد هنا مختلفة، الناس بتتحرك في الشوارع طول الوقت، مش واقفين في مكان واحد قدام المقام زي موالد تانية".

30 رجلًا في خدمة النفحة

على نفس الدرب سار محمود السيد، 55 عامًا ومن أبناء إحدى الطرق الصوفية في سوهاج، إذ يصف وجبة الموالد بـ"دافية زي استقبال ماما زينب لينا كل سنة". استكمل السيد مسيرة والده في خدمة آل البيت، وتعلم منه الذبح والطبخ وصناعة "وجبة أم هاشم".

نفحة السيدة زينب

يوضح أنه يبدأ مع أبناء الطريقة في الاستعداد قبل المولد بشهر كامل في محافظتهم، ويعلنون عن التجهيزات في القرى كي يبدأ الأهالي في ذبح المواشي المهداة للمولد منذ العام الماضي كنوع من التبرعات، إلى جانب تجميع ما يلزم من الطعام بمساهمات محبي المولد.

يقول: "إحنا مش بنفكر في الفلوس، اللي عنده عجل أو خروف وعاوز يبعت حاجة للسيدة بيبعتها معانا، وإحنا حوالي 30 واحد من سوهاج، بنتقسم ما بين اللي بيعمل الشاي والرز بلبن، وأعداد أكبر في المطبخ، لكن مهمة العيش والرز واللحمة دي مسؤوليتي بقالها حوالي 30 سنة، من وقت ما كان والدي ووالدتي بيعملوها، ويعلموني إزاي أعمل الوجبة دي، وبعد ما توفّوا أنا كملت المسيرة".

تتولى أغلب الطرق الصوفية إعداد وجبة "أم هاشم" عبر مجموعة من الطباخين الذين يبدأون العمل منذ السادسة صباحًا على وصفة واحدة ثابتة، قاعدتها كما يصف السيد: "حب أم العواجز". 

وبعد ساعات طويلة من الطهي تصل لنحو 12 ساعة، يبدأ توزيع الوجبة بعد صلاة المغرب كوجبة الغداء لأهل المولد، ثم تتواصل طقوس الاحتفال بعد صلاة العشاء، وسط أصوات "مدد يا أم هاشم" حتى الليلة الكبيرة، حيث يزداد توزيع الوجبة بكميات أكبر للزائرين.

حب السيدة في كل رغيف

ومن المنوفية، جاء محمود عاصم، 71 عامًا من أبناء إحدى الطرق الصوفية بالمحافظة، إلى "الليلة الكبيرة" التي لا يعرف فيها الطباخون النوم على حد وصفه. 

يبدؤون في طهي كميات كبيرة من الأرز واللحم، قبل أن تُوزع الوجبات مضاعفة خلال الليلة نفسها على الزائرين، وحتى على المارة في شارع السد وشارع بورسعيد وبالقرب من مسجد السيدة زينب. 

نفحة السيدة زينب

يقول: "بسبب طبيعة الليلة الكبيرة ترسخت فكرة وجبة العيش والرز واللحمة، لأن صعب نقدم فتة أو رز وخضار، كل اللي بنفكر فيه إزاي نستغل كل دقيقة في الليلة الكبيرة، أنا هنا من أكتر من 50 سنة، والوجبة دي هي الأساس في المولد".

داخل مطبخ أبناء محافظة المنوفية بالقرب من مسجد السيدة، يحرك عاصم يده وسط قرابة عشرة أشخاص يعملون معه، يفتح رغيف الخبز ويضع داخله قطعة اللحم، التي أصبحت قطعة واحدة هذا العام بعدما كانت قطعتين في السابق، حتى تكفي أعداد الموردين، بعدما ارتفعت أسعار اللحوم: "رغم كدة الخير عمره ما هيقل".

تنتقل أرغفة الخبز المحشوة باللحم والأرز من يد إلى يد، ما زالت دافئة، يصنعها أبناء الطرق الصوفية الذين ورثوا طريقتها عن آبائهم، ويسافرون من ريف وصعيد مصر كل عام ليعيدوا الطقس نفسه المعبر عن حب السيدة زينب في ليلة مولدها.

تصوير: مريم أشرف - نفحة السيدة زينب