حين يدخل الزائر بوابة المتحف المصري الكبير، فإن تمثال رمسيس الثاني الضخم الذي يقف شامخًا في بهو المتحف هو أول ما تراه العين، وكأنه حارس الزمن الذي يروي للأجيال حكاية مجد المصري القديم.
لم يكن اختيار رمسيس الثاني في هذا الموقع مصادفة؛ فهو أكثر الملوك الذين جسّدوا القوة والهيبة والعمران في تاريخ مصر القديمة.
رمسيس الثاني، الشهير برمسيس العظيم وثالث ملوك الأسرة التاسعة عشرة بالدولة الحديثة، وهو ابن الملك "سيتي الأول" الذي خلفه في الحكم ووالدته الملكة "تويا".

وتولّى الحكم وهو ما بين الخامسة والعشرين والثلاثين من عمره، وحكم مصر لمدة تجاوزت 66 عامًا، (1279 - 1213 قبل الميلاد تقريبًا) في فترةٍ تُعد من أزهى عصور الدولة الحديثة التي يُعتبر هو أشهر ملوكها.
يبلغ وزن تمثال رمسيس الثاني 83 طناً تقريبًا، ويصل ارتفاعه إلى أكثر من 11 مترًا وعرضه نحو 180 سم، وهو مصنوع من الجرانيت، وحسب الموقع الرسمي للمتحف الكبير "شُيد هذا التمثال في الأصل خارج المعبد الرئيسي للإله بتاح بمدينة منف العاصمة القديمة لمصر"، ويبلغ عمر التمثال قرابة 3200 عام.
ويعود اكتشاف التمثال إلى عام 1820م على يد المستكشف الإيطالي "جيوفاني باتيستا كافيليا"، في ميت رهينة بالجيزة أو منف القديمة، ومن موقعه القديم في ميدان رمسيس بالقاهرة -الذي استقر به منذ خمسينيات القرن الماضي-، جرى نقل التمثال إلى المتحف الحالي على مرحلتين: الأولى عام 2006 إلى موقع مؤقت قريب من موقع المتحف بالجيزة ثم انتقل إلى بهو المتحف الكبير عام 2018.

أول معاهدة سلام في التاريخ
فترة حكم رمسيس الثاني تميزت بنشاط عسكري بارز، إذ قاد عدة حملات عسكرية لتأمين حدود الإمبراطورية وتوسيع نفوذها، سواء في بلاد الشام شمالًا أو النوبة جنوبًا، وكان أشهرها معركة قادش -في السنة الخامسة من حكمه- ضد الحيثيين في سوريا الحالية عام 1274 ق.م.
واستمرت المناوشات مع الحيثيين لعدة سنوات، وفي النهاية، عقد مع الحيثيين أول معاهدة سلام موثقة في التاريخ، في عام 1259 قبل الميلاد.
وحرص رمسيس الثاني على تسجيل أحداث هذه المعركة على العديد من الآثار، وإظهار نفسه قائدًا منتصرًا ومنقذًا لمصر، رغم أن نتائج المعركة كانت متعادلة.

عاصمة جديدة لمصر في الدلتا
ترك رمسيس الثاني كمية هائلة من الآثار والنقوش، وبُنيت في عهده معابد في مختلف أنحاء مصر والنوبة، أشهرها: معبد أبي سمبل أقصى جنوب مصر الذي نُحت في الصخر، ومعبد الرامسيوم الواقع في الأقصر -طيبة القديمة-، وإضافاته المميزة فـي معبد الأقصر، كما أسـس في الدلتا عاصمـة جديـدة هـي بـر رمسـيس.
وأنشأ العديد من التماثيل الخاصة به، بخلاف ما استولى عليه من عدد كبير من التماثيل الخاصة بملوك سابقين.
على مستوى الحياة الشخصية، تزوج العديد من النساء وأنجب مئة تقريبًا من الأبناء والبنات، وتزوج من الملكة نفرتاري وبنى لها معبدًا قريبًا من معبده أبي سمبل في النوبة، وتعتبر مقبرة الملكة نفرتاري في وادي الملكات أجمل مقابر جبانة طيبة، الواقعة على الضفة الغربية للنيل في محافظة الأقصر حاليًا وكانت محل دفن الموتى عند المصريين القدماء.

آثار رمسيس الثاني بمحافظة المنيا
لم تقتصر آثار رمسيس الثاني على طيبة والدلتا، بل امتدت إلى محافظة المنيا، ففي مارس 2024، بمنطقة الأشمونين التابعة لمركز ملوي بمحافظة المنيا، اكتشفت البعثة الأثرية المصرية الأمريكية العاملة بالمنطقة في أثناء حفائرها، الجزء العلوي من تمثال ضخم لرمسيس الثاني، وهي بعثة مشتركة بين المجلس الأعلى للآثار وجامعة كولورادو الأمريكية. وفق وزارة السياحة والآثار، فإن الجزء المكتشف هو مكمّل للجزء السفلي الذي سبق أن اكتشفه عالم الآثار الألماني "G.Roeder" سنة 1930.

وبخصوص الجزء المكتشف العام الماضي، وفقا لما قاله د. باسم جهاد رئيس البعثة من الجانب المصري، فإنه "مصنوع من الحجر الجيري ويبلغ ارتفاعه نحو 3.80 أمتار، وهو يصور الملك رمسيس الثاني جالسًا مرتديًا التاج المزدوج وغطاء الرأس يعلوه ثعبان الكوبرا الملكي، كما يظهر على الجزء العلوي من عمود ظهر التمثال كتابات هيروغليفية لألقاب لتمجيد الملك"، مضيفًا أن حجم التمثال يمكن أن يصل بعد تركيب جزئه السفلي إلى ما يقرب من 7 أمتار.
وتقع الأشمونين، حسب الموقع الرسمي لمحافظة المنيا، على بُعد 8 كيلومترات تقريبًا غرب مدينة ملوي -45 كم جنوب مدينة المنيا- وتضم آثارًا مهمة من العصور المختلفة: الفرعونية واليونانية والرومانية والمسيحية والإسلامية، من أبرز هذه الآثار: تماثيل الإله تحوت وبقايا السوق اليوناني وبقايا كنيسة على الطراز المعماري البازلكي، كما كان لهذه المنطقة دور كبير في الحرب ضد الهكسوس.

وحسب الموسوعة البريطانية، فإن الأشمونين كانت عاصمة للإقليم الخامس عشر من أقاليم صعيد مصر، وإلى جانب الأشمونين، تضم محافظة المنيا أيضًا العديد من المواقع الأثرية، ما يجعلها مقصدًا سياحيًا هامًا، أبرزها: تل العمارنة وإسطبل عنتر ومقبرة ماهو ومقابر بني حسن وتونا الجبل والبهنسا.