على الضفة الشرقية للنيل وعلى بُعد نحو 7–10 كيلومترات جنوب مدينة المنيا، تمتد "زاوية الأموات" أو "زاوية سلطان"؛ وهي محاطة بالقباب المتلاصقة، يتسلّق سفح الجبل ويهبط حتى الحقول، يعلو فيها الموت ممتدًا عبر العصور منذ ما قبل التاريخ كما تضم مدافن إسلامية وقبطية.
تُعرف المنطقة باسم "زاوية الأموات" وارتبطت قديمًا بمدينة بُنيت على ربوتها بقايا هرم مُدرَّج -غير مشهور- من أواخر الأسرة الثالثة ويرجح أن يعود إلى عهد الملك حبنو، بجوارها مقابر صخرية لمسؤولين في عصور الدولة المصرية القديمة والحديثة.
ومع الزمن، كان موقعًا مثاليًا ليكون مدفنًا إسلاميًا شاسعًا يمتد من ضفة النهر حتى الجبل، بينما يحدها من الشمال مقابر فريزر المنحوتة في الصخر من عصر الدولة القديمة، إضافةً إلى محجر أثري ودروب تاريخية.
زيارات لا تنقطع
في القرى المحيطة بالزاوية، يبدو أن التردد على موقع المدافن أمر معتاد؛ ليس مجرد زيارة عابرة للموتى من الأقارب أو المعارف، بل يترددون للزيارة وقراءة القرآن والارتباط مع الماضي، للمكان قدسية بين أهالي المنيا، ليس مجرد مكانٍ أثري مثلما يتعامل معه من خارج المحافظة.
وفي نفس السياق، تقول نعمة محمد، 76 عامًا: "أذهب للزيارة كل جمعة قبل الصلاة وهذه عادة لا أقطعها، لكن طقوس الزيارة تغيرت، الأجيال الجديدة تزور في المواسم فقط، مثل نصف رجب والعيدين. كمان لاحظت أن الشباب باتوا يأتون هنا يقضون الليل ويأكلون ويشربون وهذا لم يكن يحدث على أيامنا". .
وتعد المنطقة مزارًا تراثيًا مفتوحًا؛ ذات طابع معماري متكرر، عبارة عن قباب طينية -من الطين اللبِنّ- متلاصقة تغطي حجرات الدفن العائلية، تخترقها ممرات ضيقة تشكّل شبكة شوارع داخلية، يمتد هذا المشهد لمسافات طويلة بين سفح الجبل والحقول.
ولا يقتصر الموقع على ضم مقابر الماضي، بل إن سكان القرى المحيطة قد حرصوا على أن تكون مدافنهم أيضًا هناك، لذا ما زالت تُستخدم فعليًا لأهالي المنيا مسلمين ومسيحيين وفق شهادات أهل القرية.
مراسم التشييع تاريخيًا
واشتهرت مدينة المنيا بمسجد الوداع/العمراوي الذي كانت تنطلق منه الجنازات لعبور النيل شرقًا إلى الجبّانة، قبل إنشاء الجسور الحديثة ومن هنا جاءت تسميته، وما زال المسجد أثرًا معماريًا مملوكيًا ويرتبط رمزيًا بطقس توديع الموتى.
وتُشيع الجنازة إلى زاوية الأموات، ويفتح بيت الدفن العائلي، ثم إنزال الجثمان إلى الحجرة الداخلية وغلقها بالطوب/اللبِن وفق العُرف المحلي والشريعة.
يقول سعيد أحمد، الذي يعمل في دفن الموتى في مقبرة زاوية سلطان: "أعمل في المقابر منذ عام 1989 مع أبي، إذ نقوم بدفن الموتى جهة القبلة، ويوجد بعض العائلات تفرق بين الذكر والأنثى والأغلب يجمع بينهم وعندما تمتلئ الغرفة بالعظام نخرج أقدم الجثث وندخل الجديدة".
لماذا تهمّنا المقابر حتى اليوم؟
تضم المدينة قباب عائلة محمد باشا سلطان، وهي مجمّع مدافن منحوت في الصخر شُيّد على الطراز الإسلامي بأيدٍ فرنسية في القرن التاسع عشر، يتوسطه فناء، يضم مدافن عدد من الأسماء البارزة في التاريخ المصري، بينها هدى شعراوي وأفراد من عائلة سلطان، ليبدو المكان وكأنه يوثّق تداخل التاريخ السياسي والاجتماعي مع المكان.
وتحولت زاوية الأموات إلى تراث ومزار شعبي بصري، يدرك أهميتها جيدًا السكان المحليون في المنيا، يعلمون أنها طبقات من التاريخ الحيّ تجتمع في بضع كيلومترات.
كما أنها تضم حاضرهم، فهي المقابر الرئيسية لسكان محافظة المنيا التي تضم آباؤهم وأجدادهم ويوجد بها بعض "الأولياء" ذوي الشهرة لدى السكان، فضلًا عما حولها من قصص، مثل أسطورة في التراث الشعبي متداولة أن هناك امرأة هربت من اليهود فوق سفح الجبل ودعت الله أن تنشق الأرض وتخفيها فانشق الجبل وابتلعها، ووفق الأسطورة تتجدد الدماء في الجبل أعلى الضريح الخاص بها كل ذكرى سنوية.