بين بيت ومتحف.. "العقاد" ذاكرة موزعة في شوارع أسوان

تصوير: أمنية حسن - عباس محمود العقاد

كتب/ت أمنية حسن
2026-11-01 17:07:01

بين حي يحمل اسمه، وتمثالين يجسدان مراحل مختلفة من عمره، ومقبرة تقع إلى جوار مبنى الإذاعة والتلفزيون، لا يزال الأديب عباس محمود العقاد حاضرًا في شوارع أسوان، المدينة التي وُلد فيها عام 1889 وقضى سنوات طفولته الأولى بين أحيائها.

خرج العقاد من منزله في حي عباس فريد بمدينة أسوان في نهاية القرن التاسع عشر، قبل أن يصبح واحدًا من أبرز الأدباء والمفكرين المصريين في القرن العشرين. تنوع إنتاجه بين الشعر والأدب والفكر، إلى جانب عمله المبكر في الصحافة، ليُعرف لاحقًا بلقب "عملاق الفكر العربي".

لكن حضور العقاد في أسوان لا يزال موزعًا بين شواهد تحمل اسمه وذكراه، ومقتنيات محفوظة داخل قصر ثقافة العقاد على كورنيش النيل، بينما يبقى منزله، الذي طُرحت خلال السنوات الماضية مقترحات لترميمه وتحويله إلى متحف، خارج هذا المسار حتى الآن.

ورغم تعدد العلامات التي تحمل اسم العقاد في أسوان، فإن حضوره في المدينة يظل متفرقًا بين أماكن وشواهد مختلفة، من دون مساحة واحدة تستعيد سيرته ومراحل حياته ومقتنياته في سياق متكامل. وبينما حُفظ جانب من تراثه داخل قصر الثقافة، ظل منزله، الذي ارتبط بسنواته الأولى في المدينة، محورًا متكررًا للنقاش حول ترميمه والاستفادة منه، لتبقى أسئلة الحفاظ على المكان وإتاحة تراث العقاد للأجيال الجديدة مطروحة.

أسوان والعقاد

وُلد عباس محمود العقاد في مدينة أسوان عام 1889، وتلقى تعليمه الابتدائي فيها حتى عام 1903، ومع محدودية فرص التعليم النظامي في ذلك الوقت، اتجه إلى القراءة والتعلم الذاتي، ليصبح الكتاب مدرسته الأساسية، قبل أن تتشكل تجربته الأدبية والفكرية التي امتدت لاحقًا إلى الشعر والصحافة والكتابة الفكرية.

وبحسب رامي العقاد، حفيد الأديب الراحل، لـ"عين الأسواني"، فإن أغلب مقتنيات العقاد موجودة داخل قصر ثقافة أسوان، موضحًا أن طبيعة هذه المقتنيات تتطلب عناية خاصة، وأن وجودها داخل القصر يوفر لها رعاية أفضل.

أما منزل العقاد، مر خلال السنوات الماضية بعدة مراحل من التواصل بين الأسرة والجهات المعنية، بدأت بمناقشات حول كيفية الحفاظ عليه والاستفادة منه، قبل أن تتجه المواقف إلى بحث إمكانية ترميمه والحفاظ عليه.

وفي يونيو 2022، بالتزامن مع الذكرى الـ133 لميلاد العقاد، زار محافظ أسوان آنذاك اللواء أشرف عطية منزل الأديب، ووجه لجنة التراث المعماري بمعاينته واستكمال إجراءات ترميمه، مع بحث إمكانية تحويله إلى متحف ومزار سياحي.

وخلال الزيارة نفسها، تفقد المحافظ قاعة متحف العقاد داخل قصر الثقافة، والتي تضم عددًا من مقتنياته الشخصية، ووجه بتطوير طريقة عرضها، والاهتمام بمكتبته، والاستفادة من الأرشفة والتكنولوجيا، إلى جانب تنظيم زيارات وندوات لتعريف الشباب والأطفال بالعقاد وإنتاجه الفكري.

وبعد أشهر، عاد منزل العقاد إلى الواجهة في يناير 2023، مع تداول منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تتحدث عن إزالته، ونفت محافظة أسوان وقتها صدور قرار بإزالة المنزل، وأعلنت تشكيل لجنة عليا مشتركة لبحث ترميمه، باعتباره أحد الأماكن المرتبطة باسم واحد من أبرز رموز الأدب والفكر والصحافة المصرية.

صاحب العبقريات

يرى الشاعر والأديب حسني الإتلاتي، عضو اتحاد كتاب مصر، لـ"عين الأسواني"، أن أسوان كانت جزءًا من التكوين النفسي والثقافي المبكر للعقاد، وظل أثرها حاضرًا في وجدانه وشعره حتى بعد انتقاله منها. 

ولم تكن المدينة بالنسبة إليه مجرد مكان الميلاد والنشأة، إذ أتاحت له، بحكم طبيعتها السياحية، نافذة مبكرة على العالم الخارجي، من خلال الاحتكاك بالسائحين والتدرب على اللغة الإنجليزية والتعرف إلى جوانب من الثقافة الغربية.

ويضيف الإتلاتي أن شخصية العقاد لم تتشكل بفعل عامل واحد، وإنما تداخلت في تكوينها الأسرة والقراءات والشيوخ الأوائل والظروف السياسية، ثم تجربة القاهرة والعمل في الصحافة والاحتكاك بالمثقفين والاطلاع على الثقافات الأجنبية، وفي هذا المسار، ظلت أسوان إحدى المحطات المبكرة التي أسهمت في تشكيل صاحب «العبقريات» ومواقفه الفكرية.

لكن حضور العقاد في أسوان لا يرتبط بمنزله وحده؛ فداخل قصر ثقافة العقاد توجد مكتبة ومجموعة من مقتنياته الشخصية، إلا أن الوصول إليها لا يتم بصورة مباشرة لجميع الزوار.

ويوضح رامي العقاد، حفيد الأديب الراحل، أن زيارة غرفة مقتنيات العقاد داخل القصر تتم بالتنسيق مع مسؤولي قصر الثقافة، إذ يُسمح للزائر بالدخول إليها وفق الإجراءات المتبعة داخل القصر.

ماذا وجدنا؟

زارت "عين الأسواني" قصر ثقافة العقاد، ولم تكن الغرفة مفتوحة للزوار في ذلك الوقت، وبسؤال أحد العاملين، أوضح أن زيارتها تحتاج إلى تصريح مسبق، وخلال الزيارة، ظهرت الغرفة في الطابق الثاني من القصر، بينما ظلت أبوابها مغلقة أمام الزوار.

أما منزل العقاد، فظل خلال السنوات الماضية حاضرًا في خطط وتصريحات رسمية متكررة بشأن ترميمه وإمكانية تحويله إلى متحف ومزار ثقافي وسياحي.

 ويقول رامي العقاد إن لجنة من الجهات المعنية عاينت المنزل وبدأت فحص حالته وإجراء القياسات اللازمة بالتنسيق مع محافظة أسوان، مؤكدًا أن الأسرة لا ترى تقصيرًا من جانب الجهات المسؤولة فيما قُدم لها من إمكانات في هذا الملف.

ويضيف أن تحويل المنزل إلى متحف ليس مطروحًا حاليًا، خاصة مع وجود مقتنيات العقاد داخل قصر الثقافة، حيث ترى الأسرة أن حفظها هناك يوفر لها عناية أفضل.

وفي مارس 2023، أجرت وزيرة الثقافة حينها نيفين الكيلاني معاينة ميدانية لمنزل العقاد، وأشارت إلى إعداد توصيات وتقرير هندسي يتضمن مقترحات لتحويله إلى متحف ومزار ثقافي وسياحي. إلا أن تلك المعاينة لم يتبعها، حتى الآن، تغيير ملموس في وضع المنزل.

وتكرر حضور ملف العقاد في أبريل 2026، خلال جولة تفقدية أجراها محافظ أسوان المهندس عمرو لاشين والدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة السابقة، داخل متحف ومكتبة العقاد، للوقوف على مستوى الخدمات الثقافية المقدمة. ووفق بيان لمحافظة أسوان، تضم مكتبة العقاد نحو 10 آلاف و33 كتابًا في مجالات الأدب والعلوم والدين، إلى جانب أقسام للقراءة والاطلاع والمراجع. وشهدت الزيارة توجيهات بتطوير البنية التحتية للمتحف والمكتبة، دون أن يطرأ حتى الآن تغيير على واقع المكان.

متحف لا يتوقف عند الجدران

بالنسبة للإتلاتي، فإن قيمة متحف العقاد لا ينبغي أن تتوقف عند عرض مقتنياته، وإنما يمكن أن يتحول إلى مساحة تحكي سيرته وأفكاره وعلاقته بأسوان. 

ويرى أن البداية يمكن أن تكون من العقاد الطفل الذي نشأ في المدينة، ثم الشاب الذي اعتمد على نفسه في التعلم، وصولًا إلى الصحفي والأديب والمفكر.

ويطرح الإتلاتي أن تكون أسوان نفسها جزءًا من تجربة المتحف؛ من النيل والأماكن التي ارتبط بها العقاد، إلى ذكريات طفولته وما انعكس منها في كتاباته وشعره، بحيث لا يكتفي المكان بتقديم معلومات عن صاحب المقتنيات، وإنما يساعد الزائر على فهم الشخصية والبيئة التي أسهمت في تشكيلها.

ولا يقتصر التصور على اللوحات التعريفية؛ إذ يقترح الإتلاتي استخدام التسجيلات الصوتية أو أداء نصوص مختارة من كتب العقاد ومقالاته، بما يمنح الزائر فرصة لسماع أفكاره والتعرف إلى عالمه الفكري، بدل أن تظل تجربة زيارة المتحف قائمة على مشاهدة المقتنيات خلف الأبواب.

وسط الجهود المعلنة ومقترحات الترميم المتكررة، تظل ذاكرة عباس محمود العقاد حاضرة في أسوان، بين منزله ومتحفه ومكتبته والأماكن التي تحمل اسمه. 

أديب خاض معاركه في الأدب والفكر والصحافة، وترك وراءه تراثًا يتجاوز المقتنيات والجدران، ويحتاج إلى طريقة تتيح للأجيال الجديدة التعرف إلى صاحبه ومدينته وتكوينه.