لم يكن فوزي فوزي مجرد مخرج مسرحي عمل في أسوان، بل كان أحد الأسماء التي ارتبطت بالحركة الثقافية والفنية في المحافظة على مدار سنوات طويلة، على مدى نحو 65 عامًا من حياته، آمن الدكتور فوزي يوسف بأن الجنوب يمتلك مواهب تستحق أن تجد طريقها إلى الجمهور، وأن المسرح يمكن أن يكون مساحة للتعبير عن قضايا المجتمع ومشكلاته، وليس مجرد عروض تُقدم على خشبته.
لهذا اختار فوزي البقاء في أسوان، رغم الفرص التي أتيحت له للعمل خارج المحافظة، ليقدم خلال مسيرته أعمالًا لكبار الكتاب، ويستخدم المسرح في مناقشة قضايا مجتمعه وهمومه، كما اهتم باكتشاف المواهب الشابة ودعمها.
تحل اليوم ذكرى وفاة فوزي فوزي، الذي وُلد في مدينة أسوان في أبريل عام 1945، ورحل في 17 أكتوبر 2010، بعد مسيرة امتدت بين التعليم والعمل الثقافي والمسرح.
البداية.. المسرح المدرسي
بعدما حصل فوزي على دبلوم المعلمين، بدأ عمله في وزارة التربية والتعليم، حيث انخرط في المسرح المدرسي، ثم عمل موجهًا مسرحيًا، وحصل لاحقًا على درجة الماجستير في علم النفس التربوي.
لكن خلف هذه المسيرة الوظيفية، كانت هناك علاقة أقدم بالمسرح، بدأت منذ أن كان طفلًا يحاول صناعة مساحة للفن في الحي الذي نشأ فيه. تروي رانيا فوزي فوزي، أصغر أبنائه، لـ"عين الأسواني"، أن والدها كان يرى الفن جزءًا من حياة الإنسان والمجتمع، وأن إرثه لم يقتصر على الأعمال التي أخرجها، وإنما امتد إلى أجيال من الفنانين.

وتستعيد رانيا ما حكاه لها والدها عن بداياته: "حكى لي أنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأ يجمع أصدقاءه في المنطقة التي عاش بها بمنطقة الشيخ صالح بحي شرق مدينة أسوان، ليقدموا عروضًا مسرحية بسيطة".
ومع مرور السنوات، تحولت تلك المحاولات الطفولية إلى تجربة أكثر جدية؛ ففي عام 1965، عندما كان في العشرين من عمره، خاض أولى تجاربه في الإخراج من خلال مسرحية "قهوة الملوك" بجمعية الشبان المسلمين في مدينة أسوان.
من المسرح المدرسي إلى قصور الثقافة
كان العمل بالمسرح المدرسي نقطة مهمة في مسيرة فوزي فوزي، ومنها انتقل تدريجيًا إلى المجال الثقافي الأوسع، وتوضح رانيا أن جولاته في المدارس مع زملائه كانت فرصة لاكتشاف الأطفال الذين يمتلكون موهبة في التمثيل أو لديهم استعداد للوقوف على خشبة المسرح، وهو ما جعل اهتمامه بالمواهب جزءًا مستمرًا من تجربته، حتى بعد انتقاله إلى هيئة قصور الثقافة: "تولى إدارة قصر الثقافة في أسوان، ثم تدرج في المناصب حتى أصبح مديرًا عامًا للثقافة، قبل أن يخرج إلى المعاش، لكنه لم يتوقف عن المسرح، واستمر في العمل مخرجًا حتى سنواته الأخيرة".
وتقول رانيا إن هذا انعكس على معظم أعماله: "معظم أعمال والدي كانت سياسية، تناقش المجتمع والظروف اللي بيمر بها ومشاكله، مع محاولة إيجاد حل ليها".
ولم يكن تمسكه بأسوان ناتجًا عن غياب الفرص خارجها؛ فقد عُرضت عليه فرص للعمل في القاهرة والإسكندرية، كما عُرض عليه منصب رئيس قطاع الثقافة في أسيوط، لكنه اختار البقاء في محافظته.
كان يرى، بحسب ابنته، أن أسوان غنية بالمواهب لكنها لا تحصل على المساحة الكافية للظهور، وأن وجوده فيها يمكن أن يكون جزءًا من مساعدة هذه المواهب على الوصول إلى الجمهور.
فرقة كوم أمبو
شهدت الحركة الثقافية في مركز كوم أمبو عام 1982 محطة مهمة مع تأسيس فرقة كوم أمبو المسرحية على يد المخرج فوزي فوزي، قبل أن يتبعها في العام التالي تأسيس فرقة توشكى للفنون الشعبية، وحصلت الفرقة على اعتمادها، واستمرت في العمل ضمن فرق هيئة قصور الثقافة حتى اليوم.

ولم يتوقف أثر هذه التجربة عند تقديم العروض، إذ حصدت أعمال فوزي وفرقته جوائز في مهرجانات الأقاليم، من بينها المراكز الأول والثاني والثالث، بينما استمرت مشاركاته المسرحية حتى عام 2009.
وكان يرى أن المسرح لا ينفصل عن حياة الناس، لذلك اتجهت أعماله إلى تناول قضايا تمس واقع المجتمع، من بينها التعليم والفقر والصحة والزواج المبكر وظلم المرأة والفكر المتطرف وضعف الإمكانيات، وغيرها من المشكلات التي رأى أنها تؤثر في حياة أهل الجنوب.
إمكانيات محدودة وإيمان أكبر بالفن
في الوقت الذي كانت فيه الإمكانيات المادية المتاحة للفرق المسرحية محدودة، لم يتعامل فوزي فوزي مع نقص الموارد باعتباره سببًا للتوقف، وإنما حاول مع فريقه توفير ما يحتاجه العرض بأي وسيلة ممكنة.
وتستعيد ابنته رانيا بعض تلك التفاصيل من طفولتها، موضحة أن والدها كان يلجأ أحيانًا إلى شراء مستلزمات العروض من ماله الخاص، بينما يشارك الفنانون في إعداد الملابس والديكورات.

وتتذكر رانيا: "والدي أحيانًا كان يشتري أو يوفر مستلزمات العروض من ماله الخاص، وكان الفنانون يشاركون في تجهيز الملابس والديكورات، فرأيته يستعين بأشياء من منزلنا، ووالدتي كانت تساعده وتفصل ملابس الممثلين".
أستاذ يصنع فنانين
ومثلما اهتم فوزي فوزي باكتشاف المواهب ومنحها مساحة للظهور، امتدت تجربته إلى عدد من تلاميذه الذين وجدوا في العمل معه بداية لمساراتهم الفنية، ومن بينهم أحمد كشري، المخرج المسرحي ومدير المسرح بقصر ثقافة أسوان، الذي يرى أن جزءًا كبيرًا من تكوينه الفني والإنساني يعود إلى أستاذه.
بدأت علاقة كشري بفوزي فوزي بالصدفة، عندما شاهد عرض "المحاكمة" ضمن نشاط لإحدى مجموعات الشباب والرياضة، أعجبته التجربة، فطلب من فوزي أن يعمل معه، لتبدأ بعدها رحلة امتدت من التلميذ الذي يقف للمرة الأولى أمام المخرج إلى أحد العاملين في المجال المسرحي.

يقول كشري لـ"عين الأسواني": "عجبتني الحالة، وطلبت منه إني أمثل معاهم، فقال لي خلاص خليك السنة الجديدة إن شاء الله، نكون خلصنا المهرجان ده، وابتديت فعلًا أروح معاه وأبقى حد من تلامذته".
ويتذكر كشري أن أكثر ما ميز أستاذه كان قدرته على إدارة الممثلين، واختيار الشخص المناسب لكل دور، إلى جانب امتلاكه رؤية واسعة للعمل المسرحي. كما ساعدته خبرته الإدارية في التعامل مع مجموعات العمل وتنظيمها ومنح كل شخص دوره ومساحته.
أما اكتشاف المواهب، فكان يتم لدى فوزي بصورة تدريجية، بحسب كشري؛ إذ كان يطلب من الممثل الجديد القراءة أولًا، ثم يحدد إمكانياته، فإذا احتاج الممثل إلى التدريب منحه الوقت والفرصة، وإذا رأى أنه جاهز دفع به إلى الظهور.

ولم تقتصر الدروس التي تلقاها كشري على التمثيل، وإنما امتدت إلى الالتزام والنظام واحترام المواعيد والعمل الجماعي، والأهم التحكم في الانفعال.
ويتذكر موقفًا خلال عرض مسرحية "أنت حر"، عندما غاب أحد زملائه لمدة أسبوعين إثر سوء تفاهم مع المخرج، فتولى كشري الشخصية وتدرب عليها. وعندما عاد زميله، اختبر فوزي رد فعل كشري قبل أن يعيد الشخصية إلى صاحبها الأصلي.
آخر العروض حتى النهاية
وبعد سنوات طويلة من العمل المسرحي، جاء عرض "ألو يا مصر" عام 2009 ليكون آخر أعمال المخرج فوزي فوزي المسرحية. وتستعيد رانيا العرض بوصفه امتدادًا لاهتمام والدها بقضايا المجتمع، إذ جاء في مرحلة سياسية واجتماعية مضطربة، وتناول قضايا مصر والشباب ورغبتهم في التعبير عن أنفسهم.
وترى رانيا أن والدها كان يشعر بتراكم مشكلات كثيرة حوله، وأن الشباب أصبحوا أكثر رغبة في التعبير عن أنفسهم والتغيير، لذلك بدا العرض وكأنه يلتقط ملامح مرحلة كانت على وشك التحول، قبل وفاته بعام واحد.
ورغم تدهور حالته الصحية، لم يبتعد فوزي عن المسرح في سنواته الأخيرة، بحسب ابنته، التي تروي أنه كان يسافر ويعمل رغم مرضه، ويصر على إنهاء عروضه في مواعيدها، وكأن ارتباطه بالمسرح ظل أقوى من الظروف التي أحاطت به في تلك الفترة.
أبٌ يرى الموهبة قبل المهنة
داخل أسرته أيضًا، لم يكن فوزي فوزي يتعامل مع أبنائه من موقع المخرج أو المدير فقط، وإنما كأب يعتمد على الحوار والاحترام ويحرص على تعليم أبنائه وتشجيعهم على اكتشاف مواهبهم.
وتقول رانيا إن والدها كان له تأثير مباشر في اختيارها لمسارها الفني؛ فقد كانت تعزف بالفطرة وتشارك في الأنشطة المدرسية، لكنه شجعها على دراسة الموسيقى، ورأى أن موهبتها تستحق أن تتحول إلى تخصص أكاديمي، حتى انتهى بها الأمر إلى العمل في أكاديمية الفنون بالقاهرة.
ولا ترى رانيا أن تكريم والدها يجب أن يتوقف عند إطلاق اسمه سابقًا على المسرح الصيفي، وإنما تتمنى أن يتعرف أبناء أسوان إلى تاريخ رموزهم الفنية، وأن تصبح هناك مساحة تحفظ هذا التاريخ وتقدمه للأجيال الجديدة.
وبعد مرور أكثر من 15 عامًا على رحيله، لا تختصر تجربة فوزي فوزي في العروض التي أخرجها أو المناصب التي شغلها؛ فقد ترك وراءه تلاميذ حملوا ما تعلموه إلى أجيال أخرى، وفرقًا ساهم في تأسيسها، ومواهب آمن بها، ومسرحًا اختار أن يجعله مساحة لأبناء الجنوب للتعبير عن أنفسهم.