حين تتحول سنوات الكتابة والقراءة والمثابرة إلى لحظة تتويج، تصبح الجائزة شهادة على طريق طويل قطعه صاحبها بين القصيدة واللغة والبحث عن صوته الخاص، وفي أسوان، حيث يتداخل النيل مع موروث المكان، نشأ الشاعر أشرف محمد الحِجزي، 51 عامًا، حاملاً شغفًا مبكرًا قاده على امتداد عقود إلى فضاء القصيدة.
كانت آخر نجاحاته حين أُعلن في أغسطس الماضي فوزه بالمركز الأول في مسابقة الشعر العمودي ضمن فعاليات مهرجان همسة الدولي للآداب والفنون في دورته الرابعة عشرة، التي تحمل اسم الفنان الراحل مصطفى فهمي، عن قصيدته "لَمّا انجرحتُ دخولًا"، ويستعد الشاعر لتكريمه اليوم الخميس خلال حفل المهرجان المقام تحت رعاية وزارة الثقافة.

وسبق ذلك حصول الشاعر عام 2008 على المركز الثاني على مستوى الجمهورية في مسابقة شعراء الشباب، ثم نال المركز الثاني على مستوى الإقليم التابع لوزارة الثقافة عام 2012.
وفي العام الماضي، حقق ديوانه "هواك ولا شريك له" المركز الثاني على مستوى الوطن العربي، قبل أن يحصد جائزة المتنبي الأدبية في يونيو الماضي، ويمتلك الشاعر ديوانين، كان أحدثهما حاضرًا في معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2026.
ولم يكن التتويج الأخير وليد لحظة عابرة، بل ثمرة مسيرة طويلة من القراءة والكتابة والمشاركة والتجريب، بدأت بشغف مبكر، واستمرت حتى أصبحت القصيدة مساحة يختبر فيها الشاعر صوته وأدواته.
قصيدة قادت صاحبها إلى المركز الأول
تحمل القصيدة الفائزة عنوان "لَمّا انجرحتُ دخولًا"، وهي قصيدة غزلية كتبها الحجزي قبل نحو عام، وانطلقت من مساحة وجدانية حيث يرى أن القصيدة الحقيقية تولد فيها قبل أن تتشكل في الكلمات والأوزان.

يقول: "الإلهام هو نقطة البداية، قد يأتي في صورة فكرة تلّح على الشاعر حتى يجد نفسه أمام الورق، أو ينبثق من تجربة شخصية وشعور دفين يبحث عن منفذ إلى اللغة". ولا يرى الحجزي الشعر صناعة متكلفة، بل حالة يقود فيها الإلهام القلم، ثم يأتي دور الشاعر في صياغته داخل بناء فني متماسك.
ولهذا، لم يكن الفوز مفاجأة كاملة بالنسبة إليه؛ إذ توقع أن تحصد القصيدة أحد المراكز الثلاثة الأولى، كما سبق أن وثق بقصيدته الفائزة بجائزة المتنبي الأدبية في يونيو الماضي، والتي تناولت قضية القدس. ويرى أن هذه الثقة ليست غرورًا، وإنما ثمرة إيمان بأدوات اكتسبها عبر سنوات القراءة والكتابة والممارسة.
من الصف الثاني الإعدادي بدأت الحكاية
بدأت علاقة الحجزي بالشعر في الصف الثاني الإعدادي، ومنذ ذلك الوقت أصبح جزءًا ثابتًا من تكوينه، لكنه يؤكد أن الموهبة وحدها لا تصنع شاعرًا، فهي تحتاج إلى القراءة والمران والاحتكاك بالآخرين، إلى جانب المشاركة في الأندية والمنتديات والمجموعات الأدبية.
ورغم أن مساره الأكاديمي اتجه إلى التاريخ والجغرافيا، فتخرج في كلية التربية قسم التاريخ والجغرافيا، فإن علاقته باللغة العربية تشكلت أساسًا عبر التعلم الذاتي والاحتكاك بمعلمين تركوا أثرًا في تجربته.
كان من أبرزهم معلم أزهري وعالم لغوي التقى به في المرحلة الثانوية، فاهتم بموهبته ووجّهه إلى القراءة، وناقشه فيما يقرأ، ما ساعده على تكوين حصيلة لغوية أصبحت من أهم أدواته الشعرية.
أسوان.. المكان الذي يغذي القصيدة
لم تكن أسوان مجرد عنوان جغرافي في حياة الحجزي، وإنما كانت أحد روافد وجدانه الشعري، وعلى الرغم من إقامته في المدينة، فإن جذوره تمتد إلى بيئة قروية في إدفو، بما تحمله من تفاصيل اجتماعية وثقافية وإنسانية.
يقول: "أسوان بتاريخها وموروثها وثرائها الإنساني، ظلت أرضًا خصبة للمواهب والأدباء، لذلك لم أكتفِ بالكتابة، بل شاركت في النشاط الثقافي من خلال تنظيم أمسيات شعرية سنوية احتفالًا بالمولد النبوي الشريف، تجمع بين الشعر والإنشاد والمديح".
وفي هذا السياق، تعاون مع المنشد والمداح حازم جمال، فكتب له أولى قصائده الإنشادية "زرعتُ أقدام الوادي"، إيمانًا بموهبته وقدرته على الوصول إلى الجمهور.
لماذا اختار الشعر العمودي؟
ومن هنا ظل الشعر العمودي بالنسبة إلى الحجزي مساحة يجد فيها موسيقى اللغة العربية وجمالها في زمن تتعدد فيه أشكال الكتابة الشعرية، ويميل إليه لما يراه من انسجام بين الوزن والإيقاع وطبيعة العربية الموسيقية، مؤكدًا أن الموسيقى كامنة في اللغة نفسها.
ومع ذلك، لم يغلق تجربته على الشعر العمودي؛ فقد كتب شعر التفعيلة وقصيدة النثر، لكنه يرى أن الأوزان تمنح القصيدة إحساسًا خاصًا، وتضع أمام الشاعر تحديًا يكشف قدرته على تطويع اللغة داخل الوزن والقافية: "قد تكون القيود وسيلة لإظهار الإبداع، فكلما صعُبت الشروط، ظهرت براعة المبدع".
وتكشف قصيدته "خَرّوا ارتفاعًا"، التي تناولت القدس والغربة وفقدان البيت، جانبًا من هذا الانحياز إلى الإنسان، وعلى الرغم من اختصارها من خمسة وأربعين بيتًا إلى ثلاثين، احتفظت بجوهرها الإنساني وشعور الغربة، بما يتيح لكل إنسان أن يجد فيها جزءًا من تجربته.
ما بعد همسة.. قصائد تنتظر النور
لا يتعامل الحجزي مع التتويج بوصفه محطة أخيرة، بل يضعه ضمن طريق مفتوح على تجارب ومنافسات جديدة، فهو يستعد لمشاركات أدبية مقبلة، ويعمل على إصدارات شعرية، بينها ديوانان؛ أولهما يحمل اسم القصيدة الفائزة "وانجرفتُ دخولًا"، والثاني بعنوان "ذو النهار"، إلى جانب ديوان ثالث ينتظر أن يرى النور قريبًا.
وهكذا يواصل أشرف الحجزي رحلته شاعرًا خرج من أسوان حاملًا ذاكرة المكان والموسيقى العربية، وبين قصيدة تتوج وأخرى تنتظر طريقها إلى القارئ، يبدو المركز الأول في مهرجان همسة بداية لمرحلة جديدة، لا خاتمة لمسيرة بدأت منذ مقاعد المدرسة الأولى.