مؤلفة "حكايات غرف العمليات": "بنج كلي" لم يُنصف طبيب التخدير (حوار)

مؤلفة حكايات غرف العمليات

كتب/ت سلمي الهواري
2026-08-30 11:39:09

على مدار سنوات، جمعت الدكتورة دعاء جلال دياب، أستاذ التخدير والعناية المركزة وعلاج الألم بكلية الطب جامعة المنصورة، بين الطب والأدب، بدأت الكتابة في مرحلة الشباب بأعمال تناولت قضايا المرأة والرجل، قبل أن تستلهم من غرف العمليات التي عملت بها حكايات إنسانية ودرامية تحولت إلى مادة أدبية.

أصدرت دعاء خمسة أعمال، من بينها "ألقاب نسائية، محاكمة السيد، وسوسة"، ومؤخرًا، انتقلت حكاياتها من كتابها "حكايات غرف العمليات" الذي صدر عام 2024 إلى الشاشة عبر مسلسل "بنج كلي" بطولة الفنانة سلمى أبو ضيف، لتخوض تجربة جديدة امتزج فيها الفرح بتحويل كتابها إلى عمل درامي بالقلق من كيفية تقديم الواقع الطبي على الشاشة.

وفي هذا الحوار، تتحدث ابنة المنصورة عن رحلتها بين الطب والكتابة، وحدود تناول قصص المرضى وأسرارهم، وكواليس تحويل كتابها إلى مسلسل، ورؤيتها لتجسيد طبيب التخدير والأخطاء الطبية، إلى جانب مشروعاتها الأدبية المقبلة.

  • كيف بدأت علاقتك بالكتابة؟

بدأت علاقتي بالكتابة من اهتمامي بالأدب ومحاولة النظر إلى التفاصيل الإنسانية المحيطة بنا بطريقة مختلفة، ومع الوقت، اكتشفت أن عالم غرف العمليات مليء بالحكايات الإنسانية والدرامية، وأن الموقف الواحد يمكن أن يراه الجميع، لكن ليس كل شخص يمتلك القدرة على التقاط تفاصيله وتحويلها إلى حكاية أدبية.

  • ماذا عن لحظة معرفتك بأن "حكايات غرف العمليات" ستتحول إلى عمل درامي؟

كانت لحظة مختلطة جدًا بين الفرح الشديد والخوف الرهيب، تلقيت الاتصال وأنا أشرف على امتحان للطلبة في الجامعة، ومن شدة فرحتي أعطيت جميع الطلاب الدرجة الكاملة في الامتحان.

  • هل شعرتِ وقتها بالقلق من أن تختلف الحكايات التي عشتِها عن الصورة التي ستقدمها الدراما؟

بالتأكيد، كان هناك خوف من أن تختلف الصورة الدرامية عن الواقع الذي عشته، خصوصًا أن غرفة العمليات لها تفاصيل دقيقة لا يعرفها سوى أهل المهنة، لكنني كنت مدركة أيضًا أن للدراما طبيعتها الخاصة، وأن تحويل الحكاية إلى شاشة يفرض معالجات مختلفة.

  • عندما شاهدتِ المسلسل للمرة الأولى، ما المشهد الذي شعرتِ أنه الأقرب إلى تجربتك؟

أكثر المشاهد التي شعرت أنها قريبة مني هي المشاهد التي تظهر فيها عينا البطلة دامعتين، أنا بطبيعتي عاطفية جدًا وأتأثر بالمواقف الإنسانية، لكنني في الوقت نفسه أحرص على ألا يظهر ذلك أمام المريض؛ فقد أنسحب بهدوء إلى غرفتي الخاصة وأبكي، ثم أعود إلى المريض كطبيبة قوية تدعمه وتسانده، لأن هذه هي مسؤولية الطبيب وحق المريض.

  • وإلى أي مدى ترين أن المسلسل نجح في تقديم الدور الحقيقي لطبيب التخدير للجمهور؟

أرى أن المسلسل لم يوضح دور طبيب التخدير بالشكل الكافي والقوي، طبيب التخدير هو بمثابة" المايسترو" داخل غرفة العمليات؛ فهو الذي يقرر إدخال المريض، ويقوم بتخديره وإفاقته، ويرافقه منذ دخوله غرفة العمليات وحتى خروجه إلى القسم.

وفي الواقع، لا توجد تلك السيطرة التي ظهرت للجراح في المسلسل على طبيب التخدير، وإعطائه الأوامر بالشكل الذي ظهر على الشاشة.

كما أن طبيب التخدير في الواقع غالبًا ما يكون شخصًا خفيف الظل ومرحًا ولطيفًا مع المرضى والجراحين، ويحاول تخفيف التوتر الموجود في غرفة العمليات، بينما ظهرت الشخصية في المسلسل أكثر هدوءًا وكآبة بعض الشيء.

  • هل ترين أن شخصية طبيب التخدير في المسلسل اقتربت من الواقع أم ابتعدت عنه؟

كانت هناك اختلافات واضحة بين الواقع الطبي والمعالجة الدرامية، خصوصًا في طريقة تقديم طبيب التخدير وبعض التفاصيل الطبية، فالدراما في النهاية شيء، والواقع شيء آخر، ولا يمكن أن يكون كل ما يقدم على الشاشة مطابقًا بشكل كامل لما يحدث داخل المستشفى.

  • بعض المشاهد الطبية أثارت نقاشًا وانتقادات من أطباء حول مدى دقتها.. كيف تنظرين إلى هذا الجدل؟

أغلب الانتقادات المتعلقة بالتفاصيل الطبية جاءت من الأطباء والتمريض وأفراد الكادر الطبي، وهذا أمر طبيعي؛ لأن أهل التخصص يكونون أكثر تدقيقًا في التفاصيل.

وأرى أن هناك بالفعل بعض الأخطاء الطبية التي كان من السهل تداركها لو كان هناك طبيب تخدير موجودًا بشكل يومي في أثناء التصوير، لكن في النهاية، يجب أن ندرك أن الدراما شيء والواقع شيء آخر، وأنه من الصعب على ممثلين وصناع عمل ليسوا من الكادر الصحي أن يجسدوا الواقع الطبي بكل تفاصيله ودقته.

  • ما أبرز مشهد طبي شعرتِ أنه كان يحتاج إلى تعديل؟

أبرز مثال هو مشهد إفاقة المريض داخل غرفة الإفاقة، وهذا ليس دقيقًا من الناحية الطبية؛ فالمريض يجب أن تتم إفاقته بالكامل داخل غرفة العمليات، بينما غرفة الإفاقة والملاحظة مخصصة لمراقبة المؤشرات الحيوية واستقرار حالة المريض بعد الإفاقة، وكان من الممكن تلافي مثل هذه التفاصيل لو كان هناك طبيب تخدير موجودًا بشكل مستمر في أثناء التصوير.

  • هل استعان بكِ صناع "بنج كلي" في أثناء إعداد العمل، باعتبارك صاحبة التجربة الأصلية ومؤلفة الكتاب؟

جلست في البداية مع فريق الإعداد والإخراج، كما جلست يومًا كاملًا مع الفنانة سلمى أبو ضيف، التي أدت دوري في المسلسل، وكانت مجتهدة جدًا وتدون الملاحظات التي أقولها لها حتى تستطيع تجسيد شخصية طبيبة التخدير.

كما جلست مع المسؤول عن المؤثرات الخاصة لمراجعة جروح العمليات، لكن في المقابل، لم يتم عرض السيناريو أو المعالجة الدرامية كاملة عليّ، ولم يكن لي دور في اختيار الشخصيات أو تعديل الحوار.

كما حضرت التصوير مرتين فقط، وكان ذلك بناءً على طلبي الشخصي وليس بدعوة رسمية، في المرة الأولى حضرت تصوير مشهد المشاحنة في موقف السيارات بين البطلة والجراح، وأخذت الأمر بروح فكاهية، وقلت إن الخلافات بين التخدير والجراحة علامة مبشرة بنجاح المسلسل.

وفي المرة الثانية حضرت تصوير مشهد وصول الحالات المصابة في حادث، وأبديت بعض الملاحظات المتعلقة بتفاصيل تركيب الكانيولا والمحاليل الطبية.

  • بعد مشاهدة الحلقات، هل لديكِ ملاحظات على المعالجة الفنية أو الدرامية للعمل كنتِ تتمنين تنفيذها بشكل مختلف؟

بالتأكيد لديّ ملاحظات، خصوصًا على بعض التفاصيل الطبية، وكنت أتمنى أن يكون هناك حضور أكبر لطبيب تخدير في أثناء التصوير حتى يمكن تلافي بعض الأخطاء، لكنني في النهاية أفرق بين العمل الدرامي والواقع الطبي، وأتفهم أن هناك مساحة تفرضها طبيعة الدراما.

  • بعد وصول إحدى تجاربك إلى الشاشة، هل أصبحتِ أكثر حذرًا في اختيار الحكايات التي تكتبينها، أم أن التجربة شجعتك على الكتابة بشكل أكبر؟

التجربة جعلتني أكثر وعيًا بالجانب البصري والدرامي لما أكتبه، وأصبحت أفكر في كيفية إمكانية تنفيذ بعض الأشياء على الشاشة، لكن هذا ليس هدفي الأساسي، وفي الوقت نفسه، شجعني النجاح والتفاعل الكبير مع المسلسل على مواصلة الكتابة بحماس أكبر.

  • تعملين حاليًا على رواية جديدة.. ماذا يمكن أن تكشفي عنها؟

أعمل حاليًا على رواية جديدة ذات طابع رومانسي، وهي قصة حب جميلة، ورغم أنها رواية رومانسية، فإن الطابع الطبي حاضر فيها كالعادة، فقد اخترت حالة طبية خاصة لتكون جزءًا من خلفية الرواية.

  • هل تفكرين في إصدار أجزاء جديدة من "حكايات غرف العمليات"؟

نعم، أفكر في إنتاج أجزاء جديدة لأن هذا العالم مليء بالحكايات والقصص الدرامية والنسيج الإنساني والروائي الذي يمكن تقديمه بطريقة جميلة ترضي الجميع.