على امتداد سور مبنى المقاولون العرب بطريق السادات في مدينة أسوان، جلس مصطفى سعيد، 29 عامًا، رسام من ذوي الإعاقة السمعية وصعوبة الكلام، إلى جوار أحد الجدران ممسكًا بفرشاته، يضيف اللمسات الأخيرة على لوحة رسمها بنفسه لمركب شراعي يتوسط نهر النيل وقت الغروب، بينما يقف أحمد ناصر، 24 عامًا، من ذوي الإعاقة الذهنية، ليضفي عبر فرشته اللمسات الأخيرة في لوحته عن طبيعة أسوان والنيل.
ارتبط مصطفى بفن الرسم منذ طفولته، وبدأ تنمية موهبته من خلال قسم التمكين الفني بقصور الثقافة في أسوان، المتخصص في تعليم ذوي الهمم، قبل أن تتسع مشاركاته لاحقًا في الورش والفعاليات الفنية المختلفة. على مدار السنوات، استلهم أعماله من الطبيعة وعناصرها المتنوعة في أسوان، خاصة الأشجار والمناظر المفتوحة، مفضلًا الرسم بالقلم الرصاص الذي أتقن استخدامه.

مساحة فنية
وفي الجهة الأخرى من الجدارية، وقف أحمد بتركيز أمام لوحته التي أمضى وقتًا طويلًا في تنفيذها، إذ إنه أحب الرسم والتحق بكلية التربية الفنية بجامعة أسوان منذ سنوات لينمي موهبته.
ثم جاءت مشاركتهما خلال يونيو الماضي ضمن مبادرة "أسوان بشبابها أجمل" التي أطلقتها محافظة أسوان بقيادة المهندس عمرو لاشين، بهدف تجميل عدد من المواقع الحيوية بالمدينة ولا تزال مستمرة.

وكان من أبرز مشروعات المبادرة تحويل سور مبنى المقاولون العرب بطريق السادات إلى معرض فني مفتوح، شارك في تنفيذه أطفال من أعضاء قصور الثقافة، وطلاب وخريجو كلية التربية النوعية بأسوان، إلى جانب عدد من الموهوبين من ذوي الإعاقة، الذين وجدوا في الجدارية مساحة للتعبير عن أنفسهم وإبراز قدراتهم الفنية أمام الجمهور من بينهم مصطفى وأحمد.
يمتلك مصطفى شغفًا فنيًا دفعه إلى متابعة كل جديد في مجال الرسم وتعلمه ذاتيًا، دون أن يقتصر اهتمامه على الأدوات والخامات التقليدية. ويحرص دائمًا على تطوير مهاراته وخوض تجارب فنية جديدة: "بدأت مؤخرًا العمل بالرمل الملون، إلى جانب مشاركتي في المبادرة من خلال تنفيذ جدارية خاصة بي عن النيل الذي أحبه كثيرًا، كما أنني شاركت بعدد من الجداريات الأخرى في أسوان".

ويشارك في تنفيذ الجدارية عشرات المتطوعين، إلا أن التجربة بالنسبة لمصطفى لم تكن مجرد رسم على جدار، بل فرصة لترك بصمته في معرض فني مفتوح أمام الجمهور، في وقت يفتقر فيه الفنانون التشكيليون في أسوان إلى كيان نقابي يمثلهم ويدافع عن حقوقهم المهنية.
ومن بين تلك البصمات، تبرز تجربة أحمد ناصر، أحد المشاركين في المبادرة: "الرسم هو أكثر شيء أحبه، أرسم في البيت والمدرسة وأتعلم باستمرار من المدربين والمتخصصين، ومع الوقت أصبحت أستطيع تنفيذ اللوحات بمفردي".
أسوان بعيونهم
وشارك أحمد في عدة معارض فنية، من بينها معرض "خلق مبدعًا" عام 2022، الذي نظمته هيئة قصور الثقافة لفناني ذوي الهمم في مجالي الرسم والنحت، وشارك فيه بلوحة منفذة بقلم الرصاص.
وخلف رحلة أحمد الفنية تقف والدته انتصار أحمد، التي تعد شريكة أساسية في مشواره. وتروي لـ"عين الأسواني" أن موهبته ظهرت منذ سنواته الأولى، لذا حرصت الأسرة على دعمه وإلحاقه بالورش الفنية المتخصصة، إيمانًا منها بأن الموهبة تحتاج إلى من يرعاها حتى تنمو.
وتضيف: "لم نتعامل مع الرسم على أنه مجرد هواية عابرة، بل كقدرة حقيقية. كنا نوفر له الخامات الفنية، ونشجعه على المشاركة في المعارض والمسابقات، ونقف بجانبه في كل خطوة حتى يثق في نفسه أكثر".
وإلى جانب مشاركته في الورش والمعارض الفنية، أسهمت دراسته الثانوية بالمدرسة الزخرفية والتدريبات التي تلقاها بالمركز الحرفي التابع لها في منحه معرفة أكاديمية ساعدته على مواصلة تطوير مهاراته الفنية بصورة يومية.
وبين لوحات مصطفى وأحمد وزملائهما، تُظهر جدارية طريق السادات تنوع المواهب والخلفيات الفنية للمشاركين، لتتحول إلى معرض مفتوح ومساحة إبداعية تعكس قدرات أبناء أسوان على الإبداع رغم ما يواجهونه من تحديات. ومن المقرر أن ينطلق المشاركون خلال المرحلة المقبلة لرسم لوحات في مناطق أخرى، لتكون بمثابة توثيق بصري لمدينة أسوان بعيونهم.