رحلة البحث عن مقعد "للدمج".. تعليم مؤجل لأطفال ذوي إعاقة

تصميم| محمد صلاح

كتب/ت مريم أشرف
2026-07-09 14:03:35

عندما بلغ نجل هويدا عامر، 49 عامًا، مقيمة بحي دار السلام، عامه الرابع، سعت إلى إلحاقه بإحدى الحضانات التابعة لمدارس الدمج الحكومية، وقدمت إلى الإدارة التعليمية بمنطقة السيدة زينب شهادة التأمين الصحي التي تثبت إعاقته، إلا أن طلبها قوبل بالرفض بسبب تعدد إعاقاته بين ضعف السمع وطيف التوحد وصعوبات التعلم.

تقول هويدا: "اضطررت بعدها إلى إلحاقه بحضانة خاصة، لكنه واجه صعوبة كبيرة في التعلم لأن المناهج لم تكن مناسبة لاحتياجاته، كما أن الفجوة بينه وبين أقرانه كانت واضحة. واستمرت المعاناة بعد انتقاله إلى مدرسة خاصة غير مخصصة للدمج، ورغم أن عمره يبلغ الآن 10 سنوات، فإنه لا يزال غير قادر على القراءة والكتابة. وعلى مدار هذه السنوات، أحاول كل عام نقله إلى مدرسة دمج حكومية، لكن طلبي يُرفض في كل مرة".

حلم الدمج.. طريق يبدأ بطلب وينتهي بالرفض 

وخلال العام الدراسي الماضي، أعادت هويدا المحاولة مجددًا مستغلة فترة التقديم لمدارس الدمج التي تفتحها الإدارات التعليمية سنويًا من الأول من يونيو حتى 30 نوفمبر، إلا أن طلبها رُفض مرة أخرى. 

ورغم علمها بأن أقرب مدرسة دمج متاحة تقع في منطقة السيدة زينب، على بُعد نحو ساعة من محل إقامتها بسبب عدم وجود مدارس دمج في حي دار السلام، فإنها كانت مستعدة لتحمل مشقة الانتقال اليومي من أجل توفير بيئة تعليمية مناسبة لابنها.

ولا تقتصر معاناة هويدا على حالتها وحدها، إذ يعاني أولياء أمور طلاب ذوي إعاقات في إلحاق أبنائهم بمدارس الدمج الحكومية؛ نتيجة تعقيد الإجراءات وطول مسارها، الذي ينتهي في بعض الأحيان بالرفض. ويضطر كثير منهم إلى اللجوء لمدارس خاصة عادية لا تتناسب مع احتياجات أبنائهم التعليمية، ما يحد من فرص دمجهم وتطورهم الأكاديمي.

وفقًا للقرار الوزاري رقم 252 لسنة 2017، تبدأ إجراءات التحاق الطلاب بمدارس الدمج بتقديم ولي الأمر طلبًا إلى المدرسة للموافقة على دمج ابنه، مرفقًا بخطاب صادر من التأمين الصحي يوضح الحالة الصحية ونوع الإعاقة. وبعد ذلك، تتولى المدرسة إرسال صور طبق الأصل من تلك المستندات إلى الإدارة التعليمية.

ويحدد القرار شروط القبول بحسب نوع الإعاقة. ففي حالات الإعاقة البصرية، يشترط ألا تقل حدة الإبصار عن 6/60، كما يسمح بقبول جميع الإعاقات الحركية، بما في ذلك الشلل الدماغي.

أما بالنسبة للإعاقة السمعية، يشترط ألا تتجاوز درجة فقدان السمع 70 ديسيبل، بينما يشترط في حالات الإعاقة الذهنية ألا تقل درجة الذكاء عن 65 درجة وفقًا لمقياس "ستانفورد – بينيه" المعتمد لقياس القدرات العقلية الفردية.

- ويكفل الدستور المصري حق ذوي الإعاقة في الحصول على تعليم عادل، بما في ذلك الالتحاق بالفصول والمدارس المطبقة لنظام الدمج، كما يُلزم الجهات التنفيذية المختصة بضمان هذا الحق.

تدهورت الحالة التعليمية لعمر، وتوضح والدته: "يحضر إلى المدرسة يومًا ويتغيب عشرة أيام، وعندما يذهب يعود أكثر عنفًا، ولا يفهم شيئًا من المواد الدراسية، أعتبر أنه حتى الآن لم يلتحق بالمدرسة فعليًا، فهي مجرد مكان يُسجل فيه اسمه كطالب على الورق". 

- ألزم الكتاب الدوري رقم 9 الصادر عن وزير التربية والتعليم السابق الدكتور رضا حجازي في فبراير 2024، بتخصيص نسبة 5% للطلاب ذوي الإعاقة البسيطة كزيادة على الكثافة المقررة في المدارس، وذلك بعد رصد إحجام عدد من المدارس عن قبول طلاب من ذوي الإعاقة البسيطة.

من الاستغاثة إلى القبول.. لماذا يتعثر الدمج؟

يتسق ذلك مع واقعة حدثت في أبريل الماضي، حين استغاث ولي أمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي بوزير التعليم محمد عبد اللطيف، بعد رفض أربع مدارس بمحافظة الغربية قبول طفلته المصابة بمتلازمة داون في فصولها، ورفض تطبيق برنامج الدمج، وعقب انتشار الاستغاثة بشكل واسع وتدخل وزير التعليم جرى قبول الطفلة في إحدى المدارس.

يقول الدكتور حسن شحاتة، الخبير التربوي، لـ"صوت السلام"، إن مدارس الدمج تتيح لذوي الإعاقة الحصول على عملية تعليمية عادلة، بينما لا يوفر التحاقهم بمدارس التعليم العام مناخًا تعليميًا مناسبًا لهم، وهو ما يؤخر العملية التعليمية ويؤثر سلبًا على الطالب أو الطالبة. 

هذا ما واجهه عمرو محمد، 45 عامًا، من سكان حي دار السلام، عندما بدأ العام الماضي رحلة البحث عن مدرسة دمج حكومية لابنته البالغة من العمر 6 سنوات، والمصابة بإعاقة سمعية. إلا أن إجراءات قبولها تعثرت بسبب تجاوز درجة السمع الواردة في التقرير الطبي للحد المطلوب بخمس درجات فقط. 

ويوضح والدها أنها لا تسمع سوى الأصوات المرتفعة جدًا، مثل صوت الألعاب النارية، ورغم ذلك لا تزال تُصنف ضمن فئة ضعاف السمع، ولا يمكنها الالتحاق بمدرسة أخرى.

تنص المادة 24 من الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة على اعتراف الدول الأطراف بحق الأشخاص ذوي الإعاقة في التعليم دون تمييز وعلى أساس تكافؤ الفرص.

وحتى الآن، لم تتمكن ابنة محمد من الالتحاق بالصف الأول الابتدائي، بسبب عدم موافقة المدارس على تقرير اللجنة الطبية. ولا يجد محمد حلًا لأزمته، إذ لا يستطيع تحمل تكاليف مدرسة خاصة، ويعيش في قلق دائم من حرمانها من حقها في التعليم.

وبحسب بيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لرئاسة مجلس الوزراء، بلغ عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في مصر نحو 12 مليون شخص عام 2023، بما يمثل 15% من إجمالي السكان. كما كشف تقرير للهيئة العامة للاستعلامات عام 2024 أن عدد المقيدين بمختلف مراحل التعليم من ذوي الإعاقة بلغ 159 ألفًا و825 طالبًا وطالبة.

وعلى مستوى الجمهورية، تمثل الإعاقات الحركية النسبة الأكبر بنحو 8.81%، تليها الإعاقات البصرية بنسبة 3.26%، ثم الإعاقات السمعية بنسبة 0.82%، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الواردة في الكتاب الإحصائي السنوي لعام 2025.

شروط القبول.. وفجوة في التطبيق

وعن أثر عدم التحاق أبناء هويدا ومحمد بمدارس الدمج رغم تقدمهم في العمر، يقول الدكتور محمد الهادي، استشاري الطب النفسي، لـ"صوت السلام"، إن حرمان ذوي الإعاقة من الدمج يمثل أزمة نفسية واجتماعية، تنعكس على ثقتهم بأنفسهم وتزيد من مخاوفهم تجاه المجتمع، فضلًا عن تعرضهم للوصم من أقرانهم، وهو ما قد يدفعهم إلى التسرب من التعليم. 

ويضيف لـ"صوت السلام": "هذه التحديات الممتدة تنعكس لاحقًا على فرص العمل، وتحد من استقلال الأشخاص ذوي الإعاقة وتمكينهم اقتصاديًا، بما يزيد من الأعباء الواقعة على أسرهم ويعزز النظرة السلبية والوصم المجتمعي تجاههم، لكون التعليم خطوة أولى نحو دمجهم".

بينما يكشف مصدر مسؤول في لجنة الدمج بالإدارة التعليمية بمنطقة السيدة زينب، أسباب تأخر أو رفض بعض طلبات الالتحاق والتي تعود إلى التقارير الطبية ودرجات الذكاء المعتمدة. 

ويضيف: "بعض المستشفيات تجري اختبارات الذكاء بطرق تقليدية لا تراعي طبيعة الإعاقات المختلفة"، معتبرًا أن القرار الوزاري الصادر عام 2017 كان غير منصف لاعتماده على درجات محددة في اختبارات الذكاء والسمع، رغم أنها لا تكفي لتحديد طبيعة الإعاقة أو آليات التعامل معها خلال العملية التعليمية، بل تتعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة باعتبارهم فئة واحدة رغم اختلاف احتياجاتهم. وأكد أن العديد من الموافقات تتعطل بسبب ما تتضمنه التقارير الطبية.

ثمن الإجراءات.. أعباء على الأسر وتعليم مهدد

وبسبب تقرير طبي مماثل، لم يتمكن نجل هيام فتحي، 38 عامًا، من سكان دار السلام، من الالتحاق بإحدى مدارس الدمج، بعدما أثبت التقرير أن إعاقته الجسدية في القدم لا تمنعه من الدراسة في مدارس التعليم العام. إلا أن نجلها، البالغ من العمر 8 سنوات الآن، يعاني من صعوبات في التعلم والقراءة لم يتضمنها التقرير الطبي. ويدرس حاليًا في مدرسة تجريبية خاصة بتكلفة سنوية تبلغ 20 ألف جنيه، كما يحتاج إلى دروس خصوصية في المنزل بسبب صعوبات التعلم والقراءة التي يواجهها.

وتقول هيام: "عدم وجود مدارس دمج في دار السلام كان سببًا كافيًا لأن أتوقف عن محاولة استخراج تقرير جديد، وقد اضطر إلى إخراج ابني من التعليم خلال السنوات المقبلة والاكتفاء بالتعليم المنزلي بسبب ارتفاع المصروفات الدراسية، فضلًا عن تعرضه للتنمر والوصم من أقرانه واتساع الفجوة التعليمية بينهم في المدارس العامة".

بينما يرى حسن شحاتة، الخبير التربوي، أن الحل يتمثل في دعوة الجهات المعنية إلى تخفيف إجراءات الالتحاق بمدارس الدمج، باعتبار ذلك عملًا يستحق الدعم، ويسهم في تأهيل ذوي الإعاقة للمشاركة في الأنشطة والأعمال المجتمعية، إلى جانب تحقيق حقهم في التعلم والتأهيل المهني داخل المجتمع.

وتواصلت "صوت السلام" مع محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم، وشادي زلطة، المتحدث باسم الوزارة عبر الهاتف و"واتساب"، للاستفسار عن أسباب تعقّد إجراءات دمج طلاب ذوي الإعاقة بالمدارس الحكومية، إلا أننا لم نتلق ردًا.

في المقابل، فإن ما تفكر فيه هيام من احتمال تسرب ابنها من التعليم، يعيشه يوميًا كل من هويدا وعمرو، بعد فقدان الأمل في الحصول على موافقة لإلحاق أبنائهم بمدارس تناسب قدراتهم وتدعم أساليب تعلمهم.