تتسلل خيوط الضوء إلى طاولة عرض داخل متحف النيل بأسوان، حيث تتراص فوقها قطع يدوية تتداخل ألوانها بين الأزرق والأصفر والأحمر، بينما تمسك سيدتان في منتصف الستينيات بخيوط رفيعة وإبر دقيقة، تمرران الخيط في حبات الخرز بحركة ثابتة وتواصلان العمل بهدوء في انتظار الزوار.
على هذه الطاولة لا تُعرض مجرد منتجات، بل تُنسج أمام العين حكايات خرجت من النوبة، بخيوط وخرز تحمل معاني أبعد من شكلها.

من سهيل وكرور إلى متحف النيل
في جزيرة سهيل، بدأت حكاية نادية محمد حسن مع صناعة الحلي والنسيج النوبي اليدوي وهي في الثانية عشرة من عمرها، تجلس إلى جوار نساء العائلة، تراقب أيديهن وهي تشكّل الخرز وتنسج التفاصيل، لم يكن التعلم مباشرًا، بل بدأ بالملاحظة ثم بالمحاولة، حتى صارت الخيوط تعرف طريقها بين أصابعها.
مع مرور السنوات تحولت الحرفة من تجربة صغيرة إلى مهنة حملتها إلى معارض داخل مصر مثل "ديارنا"، ثم إلى خارجها حين شاركت في أحد معارض الإمارات قبل ثماني سنوات: "مع كل محطة بحس أن اللي بصنعه مش بيحمل شكل بس ولكن معنى الأجيال هتورثه كل حاجة ليها حكاية عندنا".

أما في كرور، كانت ليلى سيد عبد القادر، في نفس عمر نادية، تبدأ رحلتها بشكل مختلف، داخل بيت تتوارث فيه حرفة صناعة الحلي والنسيج النوبي اليدوي عبر الأجيال: "تعلمتها في سن صغير، كنت 14 سنة، والدتي اللي كانت بتأخدني عند جدتي وقتها عشان تعلمني الخياطة لحد ما بقيت الخيوط جزء من يومي".
صدفة في معارض الحرف اليدوية
بعد سنوات من البداية المنفصلة، جاء اللقاء في عشرينيات العمر لـ"نادية" و"ليلى" داخل أحد المعارض المخصصة لبيع وعرض المنتجات المصنوعة يدويًا، لم يكن هناك موعد، فقط جمعتهما طاولة واحدة، وكلتاهما تعرضان منتجات يدوية نوبية من الخرز والخيوط.
تكرر وجودهما في الأماكن نفسها، ثم تحول الجلوس المتجاور إلى صداقة، أصبحت مع الوقت جزءًا من تفاصيل العمل والحياة. تقول نادية: "إحنا كملنا بعض من غير ما نحس".

لم تتوقف العلاقة بين نادية وليلى عند حدود العمل فقط، بل تحولت إلى شراكة يومية في تفاصيل الحرفة نفسها. تجلسان إلى جوار بعضهما على طاولة واحدة، تبيعان المنتجات معًا، وتشرحان للزوار طريقة صنعها، كما تحكيان للمهتمين عن دلالات الألوان والرموز في التراث النوبي: "بنبيع سوا، وبنعلم الزباين سوا، وبنحكي للناس عن التراث سوا".
ولا يقتصر التعاون بينهما على العمل فقط، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، فكما تقولان، "بنستحمل بعض وبنقف مع بعض"، فإذا مرضت إحداهما تتولى الأخرى البيع عنها.
كما تشتريان الخامات سويًا لضمان الحصول عليها بكميات مناسبة، وعند السفر للمشاركة في المعارض، خاصة في القاهرة مثل معرض "ديارنا"، تتحركان معًا طوال الرحلة، وإن تعذّر على إحداهما السفر، تنوب الأخرى عنها أحيانًا بعرض جزء من منتجاتها.
منتجات التراث النوبي
تتنوع المنتجات التي تصنعها نادية وليلى بين قطع صغيرة وأخرى أكبر تحمل الطابع النوبي في تفاصيلها وألوانها، على طاولة العرض تصطف عقود كروشية ملونة من الخرز والخيوط القطنية، إلى جانب أساور وإكسسوارات للشعر، وميداليات ومشغولات صغيرة.

كما تعرضان شنطًا وحوافظ كروشية، وحوافظ صغيرة للهاتف أو النقود، ومحافظ قماش أو كروشية مطرزة، فضلًا عن الطاقية النوبية بألوانها المميزة.
ولا تقتصر منتجاتهما على ذلك، بل تمتد لتشمل جلاليب نوبية مطرزة، في محاولة لتقديم نماذج مختلفة من الحرف اليدوية التي تعكس التراث النوبي في أشكاله المتنوعة.
ومن بين تفاصيل شغل نادية وليلى، تبرز الطواقي المصنوعة من خيط الصوف كأحد أبرز منتجاتهما، حيث تقول نادية إن الطاقية "الشلة" تُصنع من لفة خيط يُطلق عليها "شلة"، تُشترى بنحو 20 جنيهًا، إلى جانب إبرة كروشية تتراوح بين 10 و15 جنيهًا، وتُصنع منها أحجام مختلفة تناسب الجميع، من عمر شهرين حتى رجل في الثمانين، ويصل سعر الطاقية الواحدة بعد التصنيع إلى نحو 40 جنيهًا.
كما تصنعان العقاد "السلاسل" بالخرز، إلى جانب الشنط المصنوعة من الخرز، وتختلف تكلفة المنتج النهائية حسب الخامات، لكنها بعد التصنيع تُباع القطعة الواحدة بنحو 40 جنيهًا.
رحلة "الحِرفيّات"
ورغم هذا الامتداد من الحرفة إلى الصداقة، لم يكن الطريق سهلًا لهما، تتحدثان عن المشاركة في المعارض المحلية المخصصة لبيع وعرض المنتجات المصنوعة يدويًا باعتبارها خطوة ضرورية لكنها مرهقة. تقول ليلى: "الاشتراك بقى محتاج مبالغ كبيرة، وأحيانًا البيع مبيعوضش اللي بندفعه".
بينما تؤكد نادية أن الغياب عن المعرض أو عدم المشاركة أصعب، لأن عدم الحضور يعني ضياع فرصة جديدة لتعريف الناس بالحرفة، وبين هذا وذاك، تستمران في المشاركة، حتى لو كان العائد محدودًا.
وخلال السنوات الأربع الأخيرة، ازداد التحدي تعقيدًا، تروي ليلى أن أعداد السائحين الأجانب قلت بشكل واضح: "بعض المرشدين السياحيين بقوا يودّوا الزوار لأماكن متعاقدين معاها مقابل نسبة".
لم تعد المسألة بالنسبة لهما مرتبطة بالربح فقط، بل بما هو أبقى، تقول نادية: "الهدف بقى أن الحرفة تفضل موجودة، حتى لو كان الطريق صعب والعائد محدود".
مع نهاية اليوم، تجمع نادية وليلى القطع بعناية فوق طاولة العرض داخل المتحف، ولكن يبقى الخيط ممتدًا بين امرأتين في الستين من عمرهما، بدأتا من مكانين مختلفين، والتقتا صدفة في العشرينات، واستمرتا معًا في طريق واحد، تحملان فيه تراثًا كاملًا لصناعة الحلي والنسيج النوبي اليدوي.