حجران من الصخر ويد خشبية بسيطة، كانت كافية لتحويل حبوب القمح والشعير والفريك إلى دقيق تفوح منه رائحة الأرض، ويحمل بين ذراته حكايات الأجداد.
تلك هي "الرحايا"، إحدى أقدم أدوات الطحن اليدوي التي اعتمد عليها أهل الريف لعقود طويلة، قبل أن يتراجع استخدامها مع انتشار المطاحن الحديثة، ولكن ما تزال بعض الأسر في ريف سوهاج تحتفظ بتلك الآلة القديمة التي تشهد على زمنٍ كانت فيه تفاصيل الحياة تُصنع باليد، حيث تتمسك بها قلة من النساء اللاتي ارتبطن بها منذ الصغر، بعدما كانت يومًا جزءًا أساسيًا من كل منزل، ورفيقةً لا غنى عنها في إعداد الطعام اليومي.

والرحايا أداة تقليدية قديمة تتكون من حجرين دائريين من الصخر، يوضع أحدهما فوق الآخر، ويتوسطهما ثقب تُسكب فيه الحبوب، بينما تُثبت في الحجر العلوي يدٌ خشبية تُستخدم لتحريكه في حركة دائرية متواصلة، كي تنساب الحبوب بين الحجرين لتتحول تدريجيًا إلى دقيق.
سر النساء.. الطعام يبدأ من الرحايا
تقول سعدية أحمد، 65 عامًا، من مركز نجع الماسخ بالمراغة، إحدى سيدات الريف اللاتي ما زلن يحتفظن بالرحايا ويستخدمنها: "الرحايا كانت موجودة في كل بيت زمان، كانت وسيلة أساسية لطحن القمح والشعير والفريك، لكن مع ظهور المطاحن الحديثة بدأت تختفي، وبقى وجودها قليل".
بالنسبة لها لم تكن الرحايا مجرد أداة لطحن الحبوب، بل ارتبطت بذكريات الطفولة والعائلة في البيوت الريفية. إلى جوارها كانت الفتيات يجلسن إلى أمهاتهن وجداتهن، يتعلمن طريقة استخدامها، ويتوارثن معها تفاصيل الحياة اليومية وعادات الريف، جيلاً بعد جيل.

نفس الشعور لدى جملات محمود، 53 عامًا، من قرية الشيخ شبل التابعة لمركز المراغة بمحافظة سوهاج، التي تحتفظ برحايا يزيد عمرها على سبعين عامًا، ورثتها عن حماتها، التي ورثتها بدورها عن والدتها، لتظل طريقة استخدامها تنتقل بين نساء الأسرة جيلًا بعد جيل.
توضح أن الرحايا كانت يومًا ما جزءًا أساسيًا من كل بيت ريفي، إذ اعتمدت عليها النساء في طحن القمح والذرة والفريك، إلى جانب الحلبة والعدس وبعض البهارات، قبل أن تحل المطاحن الحديثة محلها.
تقول: "الطحن بالرحايا له طعم ورائحة مختلفين، لأن الحبوب بتتطحن على مهل ومن غير حرارة عالية زي بعض المطاحن الحديثة، والرحايا مش أي حد يعرف يشتغل عليها، دي محتاجة خبرة وصبر، وعلشان أطحن كمية بسيطة ممكن أقعد ربع ساعة أو أكتر".
بين حجرين.. حكاية المطبخ الريفي
بينما تستعيد سعدية أحمد ذكرياتها مع الرحايا، فتعود بها الذاكرة إلى أيام كانت تجلس فيها إلى جوار والدتها في مواسم الطحن، قبل أن يبدأ يوم الخَبز أو إعداد الطعام: "لما كنت أقعد جنب أمي في أيام السوق ونطحن الدقيق عشان نخبز، ونطحن الفريك عشان نحشي الحمام والبط والفراخ، كنت بحس إن الرحايا جزء من البيت ومن حياتنا".
وتوضح أن أول ما عرفته عن الرحايا كان من والدتها وجدتها، اللتين اعتمدتا عليها في طحن القمح وإعداد الدقيق: "شفت أمي وهي بتطحن غلة القاضي الرفيعة عشان تعمل البتاو الريفي، ولما حاولت أستخدمها أول مرة كانت تقيلة على إيدي، فعلمتني أمي الطريقة".
وتبدأ عملية الطحن برفع الحجر العلوي ووضع الحبوب بين الحجرين، ثم إعادته إلى مكانه وتحريكه في حركة دائرية متواصلة حتى تتحول الحبوب إلى دقيق أو فريك، بحسب الغرض من استخدامها.
وتشرح سعدية خطواتها: "نحط القمح أو الشعير أو غلة الذرة الرفيعة بين الحجرين، وبعدها نفضل نلف الرحايا لحد ما نوصل للدرجة اللي إحنا عايزينها".
ورغم تراجع استخدامها في السنوات الأخيرة، تقول جملات إن الرحايا تعود إلى العمل خلال موسم إعداد الفريك وحصاد القمح، وقبل شهر رمضان والأعياد، حيث يقصدها كبار السن وبعض الشباب الباحثين عن النكهة التقليدية.
من "شوار" العروس.. إلى تراث شعبي
وفي قرية الجزازرة التابعة لمركز المراغة، تمتلك زينب السيد، 46 عامًا، رحايا يتجاوز عمرها خمسين عامًا، انتقلت إليها ضمن مقتنيات زواجها، بينما تعلّمت استخدامها منذ طفولتها على يد والدتها، ثم ازدادت خبرتها بها بعد الزواج.
تقول: "لسه في ناس كتير بتفضل تطحن بالرحايا، خصوصًا لما يعملوا الفريك أو العيش البلدي، لأن طعمه وريحته بيبقوا أحسن بكتير من الطحن في المطاحن الحديثة. صحيح المطاحن الكهربائية خلت استخدام الرحايا أقل من زمان، لكن في موسم حصاد القمح وعمل الفريك الناس بترجع تدور عليها من تاني".
وترى زينب أن الرحايا تجاوزت وظيفتها كأداة لطحن الغلال، لتصبح رمزًا للتراث الريفي وذاكرته، مؤكدةً أنها ترفض الاستغناء عنها، ليس فقط لأنها تحمل ذكريات الأمهات والجدات.
ورغم أن المطاحن الحديثة اختصرت الوقت والجهد، فإنها لم تستطع أن تنتزع من الرحايا مكانتها في ذاكرة جملات وزينب وسعدية وغيرهن من نساء الريف.