وداعًا محمد التاجي.. فنان من أصول شندويل أحبه الجمهور

صورة لا تمت بصلة

كتب/ت يوسف الطهطاوي
2026-09-02 16:37:37

غاب الفنان محمد التاجي عن المشهد الفني، لكن حضوره في ذاكرة الجمهور لا يغيب؛ فبعد مسيرة امتدت لعقود، رحل الفنان مساء الأحد الماضي عن عمر ناهز 72 عامًا، عقب تدهور حالته الصحية بعد خضوعه لعملية جراحية خلال الأيام الماضية.

وُلد محمد التاجي في القاهرة في 28 أبريل 1954، وهو حفيد الفنان الكبير عبد الوارث عسر، كما ارتبطت أصول عائلته بمركز جزيرة شندويل بمحافظة سوهاج، لتظل صلته بالمحافظة جانبًا من قصته الشخصية إلى جانب مسيرته الفنية الطويلة.

وعلى مدار سنوات عمله، تنقل التاجي بين الدراما والسينما والمسرح، ونجح في ترك بصمة خاصة لدى الجمهور من خلال شخصياته القريبة من الحياة اليومية؛ فقدم أدوارًا في أعمال بارزة مثل "المال والبنون"، و"البشاير"، و"زيزينيا"، و"بوابة الحلواني"، و"حدائق الشيطان"، إلى جانب أعمال أحدث مثل "ملوك الجدعنة"، و"الأجهر"، و"العتاولة"، و"اللعبة"، و"جودر (ألف ليلة وليلة)".

لم يعتمد التاجي على البطولة المطلقة ليترك أثرًا، بل استطاع بأدائه الهادئ وتلقائيته أن يمنح الشخصيات الثانوية وزنًا وحضورًا، فظهر في أدوار الموظف الطيب، والأب الحنون، وابن البلد، وغيرها من الشخصيات التي وجد الجمهور فيها ملامح من حياته اليومية.

جمهور من أجيال مختلفة.. وذكرى واحدة

وفي استطلاع لآراء عدد من متابعي مسيرته من أعمار وخلفيات اجتماعية مختلفة، رصدنا كيف يرى الجمهور أثر محمد التاجي الفني، وحضوره الخاص الذي جمع بين التلقائية وأصالة مدرسة التمثيل المصرية.

تقول سارة هاني، 38 عامًا، في حديثها لـ"أهل سوهاج"، إن أول دور أعجبها للفنان محمد التاجي كان شخصية "الدكتور مصطفى" في مسلسل "المال والبنون"، إلا أن أداءه في مسلسل "زيزينيا" ظل الأكثر تعبيرًا عن طاقته التمثيلية الكاملة.

وترى سارة أن "زيزينيا" أتاح للتاجي تقديم تفاصيل اجتماعية ونفسية أكثر تعقيدًا، مؤكدة أنه ينتمي إلى فئة الممثلين الذين يمتلكون ما يُعرف بـ"السهل الممتنع". 

وتشير إلى أنه لم ينل التقدير الإنتاجي والإعلامي الذي يتناسب مع حجم موهبته، لكنه كسب الرهان الأهم، وهو محبة الجمهور واستمرارية تأثيره.

ويتذكر كريم عادل، 28 عامًا، أن أول مرة شاهد فيها محمد التاجي كانت من خلال فيلم "الطريق إلى إيلات"، موضحًا أن أكثر ما يميزه عن أبناء جيله هو أداؤه "من دون قناع"، على حد وصفه، إذ يشعر المشاهد وكأنه يجلس أمام شخص يعرفه في حياته الواقعية.

ويضيف كريم أن التاجي، رغم كونه حفيد الفنان الكبير عبد الوارث عسر، لم يقع في فخ تقليد جده، بل أخذ عنه الوقار والمصداقية، وصنع لنفسه خطًا فنيًا مختلفًا، ويرشح شخصية "مرسي" في مسلسل "زيزينيا" بوصفها واحدة من أفضل النماذج التي تعكس قدرته على تقديم الشخصيات ببساطة وصدق.

أما عمر حسن، 22 عامًا، فيشير إلى أن معرفته بالفنان محمد التاجي بدأت من خلال أدواره الحديثة في مسلسلات مثل "ملوك الجدعنة" و"جودر"، التي لفتت أنظار جيل الشباب.

ويرى عمر أن دور التاجي في "جودر" أظهر قدرته على التكيف مع الفانتازيا والإنتاج الدرامي الحديث، مؤكدًا أن الأجيال الجديدة تراه "رمزًا للدفء العائلي والزمن الجميل"، ونموذجًا لفنان ربما لم يحظَ إعلاميًا بما يتناسب مع موهبته، لكنه ظل حاضرًا بقوة في ذاكرة الجمهور.

ويقول خليل محمود، 50 عامًا، إن مسلسلي "بوابة الحلواني" و"المال والبنون" من أبرز أعمال التاجي بالنسبة إليه، موضحًا أنه استطاع خلالهما الموازنة بين المبادئ وضغوط الحياة.

ويرى خليل أن تأثر التاجي بمدرسة جده عبد الوارث عسر ظهر في احترامه للنص، ووضوح مخارج الحروف، والدقة اللغوية، مع احتفاظه في الوقت نفسه بشخصيته الفنية الخاصة. ويعتبره نموذجًا لـ"الممثل الداعم" الذي يشكل عنصرًا أساسيًا في نجاح العمل الدرامي، حتى بعيدًا عن أدوار البطولة.

ويختتم أحمد حسام، 33 عامًا، بالإشارة إلى امتلاك التاجي قدرة فريدة على الانتقال بين الدراما والكوميديا دون تكلف، وهو ما جعله قريبًا من الشارع المصري.

ويرى أحمد أن أعمال التاجي القديمة تقدم درسًا للأجيال الجديدة في كيفية ترك بصمة قوية في العمل، حتى لو كان حجم الدور صغيرًا، مؤكدًا أن حفاظه على مكانته واعتزازه بخياراته الفنية كانا جزءًا من حضوره الذي استمر لدى الجمهور.

رحل محمد التاجي، لكن أدواره لم ترحل معه؛ فقد ترك وراءه شخصيات لا تحتاج إلى بطولة مطلقة كي تُتذكر، وأداءً جعل حضوره ممتدًا بين أجيال مختلفة، من جمهور "المال والبنون" و"بوابة الحلواني" إلى الشباب الذين عرفوه من "جودر" و"العتاولة"، وبين القاهرة التي وُلد فيها وسوهاج التي ارتبطت بها جذور عائلته، تظل حكايته جزءًا من ذاكرة الفن المصري.