في ورشته بمركز "أخميم" بمحافظة سوهاج، يقضي زكريا حلمي الصعيدي وقته في صناعة الفوانيس، بين صوت المناشير ورائحة نشارة الخشب، يصنع فوانيس رمضان بحبّ و"مزاج"، فوانيس تعرف طريقها، في كلّ موسمٍ، ليس فقط لأيدي الأطفال ولكن أيضًا لقلوبهم.
هو نجار أربعيني بدأ رحلته مع "الخشب" وهو لا يزال فتى في السابعة عشرة من عمره، منذ عشر سنوات قرر أن يضيف لمهنته شيئًا جديدًا، بألا يقتصر فقط على العمل كنجّار موبيليا تقليدي، بل كذلك كصانع لمنتجات مُبهجة، يشتاق إليها الناس كل عام.

بداية الرحلة
بدأت قصة "زكريّا" مع الفوانيس بمحض الصدفة، حين اعتذر أحد الزبائن عن عدم تسلّم شُحنة فوانيس جاهزة كان قد طلبها منه، فوجد نفسه أمام بضاعةٍ عليه التصرّف بشأنها، فقرر عرضها للبيع. حينها، رأى في عيون الزبائن نظرات شغفٍ لم يرها من قبل عند بيع قطع الموبيليا، هذا الموقف جعله يتساءل "لماذا لا أصنع هذه الفرحة بيدي من الألف إلى الياء؟" ومن هنا، انطلق في رحلته.
استعدادات مسبقة
صناعة الفانوس عند زكريا طقسٌ سنويّ يبدأ التحضير له قبل رمضان بثلاثة أشهر؛ في الشهر الأول يشتري الخامات من دمياط وبالتحديد "الأبلكاش" و"الفايبر" الملون، وبينما تكون المواد في طريقها للشحن، يظلّ قلقًا من أيّ خدشٍ أو كسرٍ قد يصيبها في أثناءه، فقد تعرض لهذه الحوادث عدة مرات، مما تسبب له في خسائر مادية كبيرة، كما يحكي، ورغم ذلك يرى المخاطرة تستحق، فخامات دمياط تتميز بالجودة العالية والسعر المناسب، بما يضمن أن يكون الفانوس متينًا وجميلًا وجاهزًا، ليحمل البهجة إلى البيوت، على حد قوله.

وفي الشهر الثاني، بعد أن يصل "الأبلكاش" و"الفايبر" إلى ورشته سالمًا، يبدأ زكريا القياسات بعنايةٍ ودقة، مستعينًا ببعض المصممين الذين يتعاون معهم لرسم تصاميم حديثة تناسب الأذواق، ثم تمر ألواح "الأبلكاش" و"الفايبر" على الليزر لتتزيّن بالنقوش الدقيقة، وبعد ذلك تأتي مرحلة التجميع ثم اللمسات النهائية، لتخرج كلّ قطعةٍ من الورشة بالصورة المُرضية له وللزبائن.
مع بداية الشهر الثالث، تكون الفوانيس قد تجهّزت للعرض في موسمها السنوي، منتظرةً أن تُحمل إلى البيوت والشوارع والطرقات حاملةً معها البهجة، وجهدًا وصبرًا بذله صانعُها على مدار أسابيع.
المصري VS الصيني
يؤمن زكريا بأن صناعة الفانوس تحتاج إلى "رَوَقان"، يقول وعينه تلمع بالثقة: "الفانوس مش شوية خشب متركّب وخلاص، الفانوس مزاج، لو مش معمول بحب، يفكّ من أول استخدام".

وفي منافسته مع المنتج الصيني الذي يُغرق الأسواق، يراهن زكريا على الأصالة، فبينما يُغري الفانوس الصيني الأعين بألوانه البرّاقة، يعوّل زكريا على "عُمر الفانوس"، وروحه المصرية الخالصة.
ورغم التحديات الاقتصادية، مثل ارتفاع سعر "قطعة الصوت والإضاءة" المستوردة التي توضع داخل الفانوس وتلتهم نصف تكلفته كما يقول، إلا أنه يحرص على أن تكون الأسعار في متناول الجميع، تبدأ أسعار الفوانيس لديه من 45 إلى 60 جنيهًا للفانوس الصغير، والمتوسط من 90 إلى 100 جنيه، والكبير من 150 إلى 170 جنيهًا.
ويؤكد زكريا أن مكسبه لا يقتصر على هامش الربح الذي يحققه، بل في المقابل المعنوي الذي يحصل عليه من "دعوة حلوة" وضحكة طفل.
أكثر من مجرد "لقمة عيش"
حتى إن لم يكن العائد المادي مجزيًا مقارنةً بـ"شغل الموبيليا"، يرفض زكريا ترك صناعة الفوانيس، فالفوانيس بالنسبة له هي "الخلوة النفسية"، يقول: "إحنا بنبيع روح مش بنبيع خشب، الفرحة اللي بدخلّها في البيوت هي اللي مخلياني مكمّل".
يختتم زكريا حديثه لـ "أهل سوهاج" بأنه حتى آخر رمضان في حياته سيظل يعمل في ورشته بأخميم، يقطع الخشب ويجمع الأجزاء، حتى لو لم يتبقَ له أيّ مكسب مادي، ففرحة الأطفال هي المكسب الحقيقي، على حد وصفه.