تجلس هادية محمود، خمسينية، على رصيف أمام مستشفى العباسية للصحة النفسية بمدينة نصر، تحدّق في فراغ الطريق بعد انتهاء زيارتها الأسبوعية لابنها البالغ من العمر 33 عامًا، الذي يعاني من اضطراب ذهاني يستلزم علاجًا منتظمًا وإشرافًا طبيًا دائمًا: "تكلفة العلاج أصبحت 5 آلاف جنيه أي أكثر من دخلي الشهري البالغ 4 آلاف جنيه".
منذ يناير 2024، قررت هادية أن يقيم ابنها داخل المستشفى بعدما عجزت عن السيطرة على نوبات الذهان المتكررة التي كان يمر بها في المنزل: "يقيم ابني في الدرجة الثالثة وكنت أدفع له شهريًا من 400 إلى 500 جنيهًا، لكن الأسعار تضاعفت بشكل مفاجئ، وتكلفني الأدوية 500 جنيه بعدما كانت تقدم مجانًا".
تناور هادية، التي تقطن في حي البساتين، لاستمرار ابنها في تلقي علاجه النفسي داخل المستشفى الحكومي الأقرب لها، إذ يخلو حيّها من أي مستشفيات أو عيادات تقدم خدمات الطب النفسي، لكن المهمة باتت أكثر صعوبة منذ صدور قرار وزارة الصحة رقم 220 لسنة 2025 في 4 أغسطس الماضي، الذي تضمن لائحة مالية جديدة رفعت أسعار الإقامة والعلاج داخل المستشفيات بنسبة تقارب 900%.

ارتفاع حاد في أسعار الإقامة
وأصبحت الإقامة في الدرجة الثالثة تُكلّف 150 جنيهًا يوميًا (4500 جنيه شهريًا)، والدرجة الثانية 250 جنيهًا يوميًا (7500 جنيه شهريًا)، أما الدرجة الأولى أو "الجناح" تصل إلى 400 جنيه يوميًا (11,500 جنيه شهريًا)، وذلك بعد أن كانت تكلفة الإقامة قبل القرار لا تتجاوز 300 إلى 1200 جنيه شهريًا فقط.
زاد قرار وزارة الصحة من معاناة مرضى نفسيين، إذ وجد كثيرون أنفسهم أمام واقع مفاجئ يفرض رسومًا مرتفعة على الكشف والإقامة، داخل مستشفيات حكومية يفترض أن تقدم خدماتها بأسعار رمزية أو مجانية، هذا التحول أثقل كاهل المرضى وأسرهم، ودفع بعضهم إلى اتخاذ قرارات قاسية، مثل إنهاء الإقامة قبل استكمال العلاج أو تقليص عدد الزيارات.
- تنص المادة 18 من الدستور المصري على حق كل مواطن في الرعاية الصحية المتكاملة، مع التزام الدولة بالحفاظ على مرافقها العامة ودعمها وضمان توزيعها العادل.
هذه الزيادات في الأسعار لم يصاحبها أي تحسن في مستوى الخدمات -وفق شهادات المرضى- أو توسع في عدد مستشفيات الصحة النفسية، التي يبلغ عددها نحو 16 مستشفى فقط على مستوى الجمهورية تخدم 116 مليون نسمة تقريبًا، وفقًا لبيانات الأمانة العامة للصحة النفسية.

وفي العاصمة القاهرة، التي يتجاوز عدد سكانها 10 ملايين نسمة، لا تخدمهم سوى ثلاثة مستشفيات فقط: العباسية، حلوان، ومصر الجديدة.
المعاناة نفسها يعيشها حسن السيد، أربعيني، يقطن في حي فيصل بمحافظة الجيزة، يحاول توفير تكاليف علاج ابنه المصاب باضطراب طيف التوحّد، إذا كانت جلسة التخاطب تتكلف 15 جنيهًا، ارتفعت إلى 40 جنيهًا بعد القرار الأخير، ليصبح إجمالي ما يدفعه شهريًا نحو 1120 جنيهًا مقابل قرابة 24 جلسة، أي ما يقارب نصف تكلفة الجلسات في المراكز الخاصة التي تصل إلى 2500 جنيه شهريًا وفقًا له.
يقول حسن: "اتجهت لمستشفى العباسية لتقليل نفقات العلاج، لكن بعد رفع الأسعار أصبحت التكلفة قريبة من العيادات الخاصة، فاضطررت لتقليل الجلسات".
- أُنشئ صندوق الصحة النفسية عام 2020 بموجب تعديل قانون رعاية المريض النفسي رقم 71 لسنة 2009، ليكون تابعًا لوزارة الصحة ويضم ممثلين عن الجهات المختصة بالصحة النفسية.
انخفاض إقبال المرضى
يؤكد أحد أطباء العلاج النفسي في مستشفى العباسية -رفض ذكر اسمه- أن نحو 30% من الأسر أوقفت علاج أبنائها أو أقاربها ونقلتهم إلى المنزل بعد تطبيق الزيادات الجديدة في الأسعار.
ويضيف لـ"صوت السلام" أن المستشفى شهدت في تلك الفترة مشادات وزحامًا وغضبًا بين الأهالي داخل الخزينة أثناء سداد الرسوم التي ارتفعت بشكل مفاجئ، مشيرًا إلى أن "المستشفى تعيش حالة من التوتر بسبب الأسعار، والأطباء يشعرون بالحزن تجاه المرضى الذين يعرفونهم منذ خمس أو سبع سنوات، خاصة أن المستشفى تعاني من نقص في الأدوية النفسية والأطباء".
يتسق ذلك، مع ما أعلنه نقيب الأطباء السابق حسن خيري في عام 2022، خلال احتفالية إطلاق المنصة الإلكترونية للأمانة العامة للصحة النفسية، إذ أكد أن قطاع الطب النفسي في مصر يعاني من عجز حاد في الكوادر الطبية، حيث لا يتجاوز عدد الأطباء المسجلين في النقابة 1300 طبيب، من بينهم 700 فقط يعملون داخل البلاد، في حين تحتاج المنظومة إلى نحو 7 آلاف طبيب لتغطية احتياجاتها الفعلية.
- يبلغ معدل الأطباء في مصر نحو 9 أطباء لكل 10 آلاف مواطن، أي أقل من نصف المعدل العالمي البالغ 23 طبيبًا لكل 10 آلاف نسمة، وفقًا لبيانات النقابة العامة للأطباء.
وانتقدت النائبة مها عبد الناصر، عضو لجنة الاتصالات بمجلس النواب، خلال جلسة برلمانية في أغسطس الماضي، الزيادات التي بلغت نحو 900% في أسعار خدمات مستشفيات الصحة النفسية، ووصفتها بغير المسؤولة، محذّرة من أنها قد تدفع المرضى للتوقف عن العلاج وتزيد من معدلات الإدمان.
ذلك ما حدث مع عبير محمود، ثلاثينية من سكان حي دار السلام، التي حاولت الهروب من ارتفاع أسعار الخدمات في القطاع الحكومي إلى العيادات الخاصة، بحثًا عن بديل مناسب ومكان قريب من منزلها، لكنها لم تجد سوى أطباء في حي المعادي، بأسعار تبدأ من 500 وتصل إلى 1000 جنيه للجلسة الواحدة، وهو ما يفوق قدرتها المادية.
تعاني عبير من اضطراب الوسواس القهري، الذي ينعكس على عملها وحياتها اليومية بنوبات من الهلع والغضب شبه المتكررة، وبعد أن جمعت من ميزانيتها الشهرية ما يكفي لثلاث جلسات فقط لتبدأ رحلة العلاج، تلقت تشخيصها الأوليّ، لكن توقفت بعدما طلب الطبيب استكمال العلاج المعرفي السلوكي، بتكلفة بلغت 700 جنيه للجلسة، فقررت تقليل الجلسات.
يحذر الدكتور عماد وديع، استشاري الطب النفسي، من التوقف عن تلقي الرعاية النفسية أو تقليل الجلسات إذ يترك آثارًا طبية خطيرة، خصوصًا على المصابين باضطرابات الفصام والذهان والاضطرابات الوجدانية وثنائي القطب، وتحتاج تلك الحالات إلى متابعة مستمرة من مختصين، نظرًا لشدة نوباتها وتعقيدها.
ويضيف لـ"صوت السلام" أن الرعاية النفسية تختلف عن غيرها من أنواع الرعاية الصحية، كونها تمتد لأشهر وربما سنوات، ما يزيد العبء المادي على المرضى وأسرهم، مشددًا على ضرورة أن توفر المستشفيات الحكومية دعمًا فعليًا لغير القادرين، حتى لا يتحول العجز المادي إلى خطر صحي يهدد حياة المرضى واستقرارهم النفسي.
- بلغ عدد حالات الدخول إلى منشآت العلاج النفسي 55,057 حالة، منها 19,528 في المنشآت الحكومية و35,529 في المنشآت الخاصة.

-بينما بلغ عدد حالات الخروج 51,673 حالة، من بينها 18,564 من المستشفيات الحكومية و33,109 من المستشفيات الخاصة، وفق ما أعلنه الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان، خلال اجتماع المجلس القومي للصحة النفسية في يوليو 2024.

معركة قانونية دفاعًا عن حق العلاج
إزاء ذلك، تقدّم المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بدعوى رقم 86235 لسنة 79 قضائية أمام المحكمة الإدارية بالقاهرة في 28 أغسطس الماضي، نيابةً عن عدد من ذوي المرضى المتضررين، ضد وزير الصحة خالد عبد الغفار.
وطالب المركز في الدعوى -حصل صوت السلام على نسخة منها- وقف تنفيذ وإلغاء قرار وزارة الصحة الخاص بتحديد قوائم أسعار جديدة للعلاج النفسي، والعودة إلى الأسعار السابقة، مع رفض فرض أي قيود مالية تُثقل كاهل المرضى وأسرهم أو تعيق حصولهم على الرعاية اللازمة.
وأوضح المركز أن من أبرز هذه النتائج اضطرار بعض الأسر إلى احتجاز المريض داخل المنزل بما يُعرّض الجميع للخطر، أو تخلّيها عنه ليصبح بلا مأوى في الشوارع.
وفي تصريح خاص لـ"صوت السلام"، يوضح خالد الجمال، المحامي بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إن رفع الدعوى جاء بعد تلقّي شكوتين من أسر متضررة بسبب الزيادات الأخيرة في أسعار العلاج النفسي، موضحًا أن المركز قرر الطعن على اللائحة المالية الصادرة بقرار الوزارة لما تحمله من مخاطر مستقبلية على المرضى والمجتمع.
ويضيف أن الهدف الأساسي من الدعوى هو إلغاء القرار والعودة إلى العمل بالأسعار السابقة، مؤكدًا أن قطاع الصحة النفسية لا يحتمل أي زيادات مالية من هذا النوع، مبينًا الجمال أن الخطوة التالية في مسار القضية تتمثل في تقديم المستندات الداعمة للحالات المتضررة وبيان المخاطر المحتملة على المجتمع.
- توضح منظمة الصحة العالمية في بيانها الصادر في سبتمبر الماضي أن أكثر من مليار شخص يعانون من اضطرابات نفسية، مشيرةً إلى أنها ثاني أكبر سبب للإعاقة طويلة الأمد، وأن 727 ألف شخص توفوا انتحارًا عام 2021.
تواصلت "صوت السلام" مع منى تمام، مديرة إدارة العلاقات العامة والإعلام بالأمانة العامة للصحة النفسية، وأيمن عباس، مدير الإدارة المركزية بالأمانة العامة، والدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة للحصول على تعليق حول أسباب زيادة الأسعار وتأثيرها على المرضى دون أن تتلقى أي رد.
تفكر هادية في بيع ما تبقّى من أثاث بيتها لتتمكن من سداد تكلفة إقامة ابنها الشهرية، ويستنزف حسن ما تبقّى من دخله لتغطية جلسات التخاطب لابنه بين الحكومي والخاص، أما عبير، أُجبرت على تقليل جلسات الدعم النفسي، في مشهد يعكس معاناة مرضى الصحة النفسية وأسرهم أمام قرارات أثقلت كاهلهم دون بديل.
جميع الأسماء المذكورة في هذا التقرير، مستعارة بناءً على طلبهم\هن وحفاظًا على هويتهم\هن.