"فتح عينك تاكل ملبن".. رحلة عرض الليلة الكبيرة على مسرح معرض الكتاب

تصوير: مريم أشرف - عرض الليلة الكبيرة

كتب/ت مريم أشرف
2025-02-03 10:00:05

يتمايل الأطفال ببراءة على أنغام "الليلة الكبيرة يا عمي والعالم كتيرة" أمام مسرح العرائس في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2025، بينما يغمر الكبار شعورًا بالحنين وهم يسترجعون ذكريات العرض، الذي يعدّ تجسيدًا حيًّا للتراث الشعبي، خاصة في الموالد إذ يملأ الأجواء بالحيوية والبهجة.

ازدحم الزوار بين صالة 3 و4 لمشاهدة العرض لمدة 40 دقيقة، واختلطت ضحكات الأطفال بالتصفيق الحار، بينما كانت العيون تتلألأ بشغف من الجميع، سواء صغارًا أو كبارًا، والأضواء تسلط على العرائس التي تتحرك برشاقة على خشبة المسرح ويتابعها الجميع في عرض "الليلة الكبيرة".

الليلة الكبيرة هو عرض مسرحي مصري يعبر عن التراث الشعبي لا سيما في الموالد، من تأليف صلاح جاهين وتلحين سيد مكاوي وإخراج صلاح السقا وأُنتج العام 1961، لكنه لا يزال يحتفظ بمكانته بين العروض المسرحية الأكثر شهرة في مصر، واستطاع أن يظل حيًا في ذاكرة الأجيال.

وأعادت فرقة مسرح العرائس إنتاج العرض في الدورة الـ 56 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، 7 مرات في الواحدة ظهرًا خلال أيام المعرض التي تنتهي في 5 فبراير المقبل، حتى يتمكن أغلب الزوار والأطفال من حضوره.

مخرج العرض: "نقدم الليلة الكبيرة دون تعديل"

يقف ياسر عبدالمقصود، مخرج مسرح العرائس ورئيس الفرقة، خلف ستار المسرح يقود الفرقة، إذ يستهدف من العرض إدخال الفرحة والسرور على الجميع، مبينًا: "العرض غير مقتصر على الأطفال فقط كما يظن البعض، بل هو فن أسري يمكن أن يسلي ويؤثر في جميع الأعمار".

في معرض الكتاب، يحرص المخرج عبدالمقصود على أن يكون العرض متاحًا لجميع الفئات العمرية، إذ يجذب الحضور من مختلف الأعمار والجنسيات، وهو ما يعكس التنوع الثقافي للجمهور.

يوضح لـ"صوت السلام"، أنه يولي اهتمامًا كبيرًا بإخراج العرض وفقًا لمنهج المخرج الأصلي صلاح السقا، دون أي تعديل أو تغيير في التفاصيل، لأنه يرى أن "الليلة الكبيرة" أصبحت جزءًا من الفلكلور الشعبي المصري الذي لا يمكن المساس به أو تحريفه. 

يضيف: "أقوم بتدريب فنانين العرائس بشكل دقيق، ليؤدوا أدوارهم بأفضل شكل ممكن، محافظين على روح العرض الأصيلة".

63 عامًا من الليلة الكبيرة

أكثر من 63 عامًا مروا على عرض الليلة الكبيرة لكنه لازال متمسكًا بمكانته وسط جمهور المسرح، إذ يصف مشاهد المولد الشعبي في مصر بكل تفاصيله وحيويته، ويرصد العادات والتقاليد والطقوس الشعبية التي تميز هذه المناسبات. 

ولدى العرض شخصيات متنوعة مثل الأراجوز الذي يثير الضحك، وبائع الحمص الذي يعكس روح الشارع المصري، والقهوجي الذي يقدم المشروبات للزوار، والمعلم والعمدة الذين يمثلون السلطة والمكانة الاجتماعية، والراقصة التي تضفي جوًا من البهجة والاحتفال.

وتنظم وزارة الثقافة هذا العرض في المعرض بشكل دوري، بهدف تقديمه لجميع الزوار، من مختلف الأعمار والجنسيات، ليكون بمثابة جسر ثقافي يعبر عن الرموز الشعبية المصرية ويُعرِّف العالم على جزء من التراث الفني الذي يحمل في طياته الكثير من التاريخ والبهجة.

مصممة الديكور: "نستخدم العرائس الأصلية"

من خلال 25 قطعة ديكور و33 عروسة، تجسد أميرة عادل، مصممة ديكور العرض ومديرة الأقسام الفنية بالمسرح، الرموز الشعبية المصرية التي تحمل تاريخًا طويلًا، تؤكد لـ"صوت السلام" أن العرض يستخدم القطع والعرائس من صناع العرض الأصليين وليس قطعًا مقلدة.

توضح أنها استخدمت هذه القطع في العرض الأول للمسرحية، ومن ثم استمرت بها في العرض على مر السنين، حتى وصلت إلى جمهور معرض الكتاب بعد أكثر من 64 عامًا، مشيرة إلى أن الحفاظ على هذا التراث الثمين يعتبر تحديًا كبيرًا، حيث تسعى جاهدة للحفاظ على أصالته مع مواكبة متطلبات العصر.

تقول أميرة: "تبدأ فرقة مسرح العرائس في تجهيز عرض الليلة الكبيرة قبل معرض الكتاب بحوالي شهر كامل، حيث يتم تحضير التفاصيل كافة لضمان تقديم عرض متكامل، ولكن مع اقتراب المعرض، تكثف الفرقة جهودها قبل أسبوع من الحدث، لتضمن أن يكون كل شيء جاهزًا على أكمل وجه".

ممثلو العرض: "نعيش مع الشخصيات"

"يا حضرة الأراجوز قولي.. نعم يا عمدة عاوز إيه.. منين يروحوا المتولي.. فتح يا أخينا وصلي عليه"، تقف مروة عبدالله، ممثلة وفنانة عرائس متحركة، خلف ستار المسرح، بينما عرائسها فوق الخشبة يميلون على إيقاع تلك الكلمات الشهيرة للفنان صلاح جاهين.

يشارك في العرض 10 ممثلين و5 منفذين، من بينهم مروة، التي بدأت رحلتها مع مسرح العرائس في العام 2006، وعلى مدار السنوات الماضية ظل عرض الليلة الكبيرة الأقرب لقلبها، لا سيما مشاركتها في معرض الكتاب، الذي يحمل لها ذكريات خاصة منذ أن كانت طالبة.

تقول: "أشعر في هذا العرض أنني أساهم في صناعة ذكريات مميزة لجمهور المعرض، ونعتبره وسيلة لجذب الزوار نحو القراءة والمشاركة في الفعاليات الثقافية، فبدلاً من أن يفكر الطفل في الكتب مباشرة، سيأتي لمشاهدة العرائس وعرض مميز، وبالتالي سيشعر بالمتعة ويحب المشاركة في الأنشطة الثقافية، مما يمنحه دافعًا أكبر للقراءة دون أن يشعر بالملل".

تعكس كلمات مروة إيمانها العميق بدور مسرح العرائس في تحفيز الأطفال على التفاعل مع الثقافة والفنون، وجعل القراءة تجربة ممتعة بدلاً من أن تكون فرضًا مملًا.

ورغم أن عروض العرائس مخصصة للأطفال، إلا أن المسرح امتلأ بكل الفئات العمرية، ويفسر ذلك، سيد حسين، ممثل وفنان عرائس متحركة، قائلًا: "الأغاني هي التي تربط الناس بالعرض، بالإضافة إلى أن الشعبية الكبيرة لعرض الليلة الكبيرة، وكلماته الشهيرة قادرة على جذب زوار معرض الكتاب من أبعد زاوية فيه، وقد لاحظنا هذا من خلال التصفيق الحار والزغاريد التي ملأت قلوبنا بالفرح".

يحكي سيد حسين، أن علاقته بدأت مع مسرح العرائس منذ العام 1992، حين كان يؤدي أدوارًا بسيطة كمبتدئ، لكنه الآن وفي معرض الكتاب، يتنقل بين شخصيات مختلفة مثل "القهوجي" و"الشاعر" المتمثل في شخصية صلاح جاهين. 

ويعبر عن حبه لتجسيد شخصيات متنوعة في العرض من وقت لآخر، لأن ذلك يشكل تحديًا له في تحريك العرائس واكتساب مهارات جديدة.

"فتح عينك تاكل ملبن، الليلة الليلة السيرك تعالوا دي فرجة تساوي جنيه قولو هيه".. تظل الليلة الكبيرة ليست مجرد مسرحية، بل رحلة عبر الزمن، تملؤها البهجة والألوان التي تعكس روح الموالد الشعبية من خلال العرائس التي تتنقل بين الشخصيات المتنوعة.