بمجرد أن تطأ أقدامك صالة (3) في معرض القاهرة الدولي للكتاب، لا يسعك سوى الاستمتاع بإيقاعات الموسيقى الفلكلورية السودانية التي تجذبك منذ اللحظة الأولى؛ تسير بين أجنحة الدول في المعرض، محاولًا العثور على مصدر هذه الألحان التي تحمل في طياتها ذكريات مؤلمة من سنوات الحرب الأهلية في السودان.
وحين تُكمل السير تشعر بحركة الأرض تحت قدميك من صوت الدبكة الفلسطينية في جناح آخر، ويجذب نظرك أعلام الدولة التي ترفرف بفخر، ويأسرك وشاح غزة الذي يحمل بين خيوطه تاريخًا طويلًا من النضال، وحكايات عن الألم والأمل تسردها كُتب دونها الأسرى داخل سجون الاحتلال بأيديهم.
ومثلما تشاركت الدولتان ويلات الحروب خلال السنوات الماضية، تناغمت هنا الموسيقى الفلكلورية السودانية مع صوت الدبكة الفلسطينية في جناحيهما داخل المعرض خلال دورته الـ56.
جناح السودان.. 9 أمتار من الوطن
من الخرطوم؛ جاءت نوال عليش، مسؤولة جناح السودان بالمعرض، حاملة معها 22 كتاب، تم تحريرها وكانوا في رحلتهم للنشر بمطابع الخرطوم، لولا الحرب التي اشتعلت بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حيث أجلت كل شيء.
لم تكن نوال تفكر في نشر هذه الكتب بمطابع القاهرة، لكنها حين رأت جناح السودان في المعرض فارغًا تمامًا، قررت أن تأخذ خطوة جريئة وتبادر لنشرها في القاهرة، رغم التحديات والصعوبات التي واجهتها، حتى لا يُنسى الأدب السوداني تحت وطأة الحرب.
تقف الآن نوال، التي تعمل مسؤولة قسم النشر والتوزيع في جامعة الخرطوم، داخل جناح السودان الذي يقدم التاريخ الثقافي والفكري لدولتها وصمود شعبها في المعرض. تقول لـ"صوت السلام": "خاضت تلك الكتب رحلة طويلة من السودان إلى مصر، مرورًا بموافقات عدة وبحث عن دور نشر ومطابع مصرية، حتى أنني طبعتها على نفقتي الشخصية كي أستطيع المشاركة بها في المعرض".
ثم واجهت نوال أزمة أخرى، وهي ارتفاع أسعار الإيجارات داخل معرض الكتاب، لكن ساعدتها الهيئة العامة بعرض الكتب في جناح التبادل الثقافي للدول.
تشعر نوال بالفخر من نجاحها في عرض الكتب، لكن ذهنها لا ينفك عن مشهد قصف جامعة الخرطوم وضياع الكتب، التي لم ينج منها سوى 22 كتابًا باتت مرصوصة بعناية الآن في معرض الكتاب: "بحضورنا نقدم للسودانيين دافعًا للتمسك بثقافة الوطن، وعندما يزورون الجناح يبكي البعض، بينما يفرح آخرون، كأن تلك التسعة أمتار هي وطنهم، إنه شعور صعب وحزين".
تذكر نوال أنها لم تتمكن من الحصول على كتب توثق الحرب بسبب استشهاد عدد من الكّتاب وصعوبة الكتابة في هذه الظروف، رغم ذلك، يحتوي الجناح على كتب تاريخية مهمة، أبرزها كتاب "النزاع في دارفور"، الذي يروي تاريخ الصراع القبلي في دارفور ويتشابك مع الأوضاع الحالية في الحرب، وكتاب "إضراب بوليس السودان"، يوثق إضراب شرطة الخرطوم العام 1951.
جناح فلسطين.. شعراء يصفون المعاناة
من الشعراء والأدباء إلى المدنيين الشهداء أصبحت المعاناة واحدة بين السودان وغزة، التي عاشت حرب إبادة منذ 7 أكتوبر 2023 على يد الاحتلال لا تقل ضراوة عن النزاع المسلح في السودان. لكنهما داخل المعرض، تمكنا من أن تتحول الحروب إلى قصص حيّة تُروى للعالم، حيث تلتقي الثقافة والتاريخ في جناح فلسطين.
عنّون المعرض جناح فلسطين باسم "شهداء القطاع الثقافي الفلسطيني" داخل نفس الصالة، يرفرف علم دولة فلسطين وبجانبه لوحات صغيرة تحمل أسماء شهداء من الشعراء والأدباء الفلسطينيين الذين فقدوا حياتهم خلال الحرب.
من بين هؤلاء الشهداء، كان الشاعر الفلسطيني سليم نفار الذي أهدى له صديقه الشاعر ناصر عطا الله ديوانه الجديد "رماد للظلال"، وحضر به ناصر إلى جناح فلسطين، ليقدمه تكريمًا لصديقه الشهيد.
يصف ناصر نفسه بأنه "عالق" خارج البلاد، إذ غادر فلسطين بجسده ولكن روحه لا تزال عالقة: "ما نقوله أو نكتبه لا ينسجم مع ما نعيشه من ألم، فمن الصعب ترك أسرتي في قلب الحرب، لكنني أعبر عن الألم في هيئة دوواين شعرية، أشارك بها هنا الآن ويقرأها العالم كله ليعرف جيدًا صمود الشعب الفلسطيني".
ضم الجناح كتب عدة منها: "موسوعة الثقافة الفلسطينية، ميلاد الكلمة، الزي الشعبي الفلسطيني تاريخ وأصالة".
يعيش نفس الحالة، الشاعر أحمد فؤاد عويضة، من تل الهوى في غزة، فبعد أشهر طويلة تحت القصف، كان عويضة يجد في هذه الظروف إلهامًا كبيرًا لإنتاج الشعر، كجزء من مقاومة محاولات الاحتلال في محو الثقافة الفلسطينية من غزة.
ومع ذلك، كان لحظة تركه لابنه بمثابة نقطة فارقة، حيث لم يتمكن إلا من كتابة قصيدة واحدة يودعه فيها، فكان يتمنى أن يرافقه في رحلته إلى معرض الكتاب ويرى جناح بلده.
يقول عويضة: "بدأنا نتنفس قليلًا مع وقف إطلاق النار، ولو كان المعرض أقيم قبل وقف إطلاق النار لما تمكنت من المشاركة، لأن الظروف النفسية صعبة، ابني الوحيد، وعائلتي، وبلدي تتعرض للتدمير، لكنني اليوم هنا، كي أظهر للزوار أننا ما زلنا صامدين، ونحافظ على روايتنا للحدث، شرف كبير لي أن أمثل بلدي في هذا الحدث الثقافي".
زوار الجناح الفلسطيني
وتعمد مهيب البرغوثي، الصحفي والشاعر الفلسطيني، زيارة جناح غزة في معرض الكتاب لهذا العام، مشيرًا إلى أن مصر تعد مهدًا للثقافات وقدمت الكثير للأجيال الفلسطينية، سواء في النضال والسياسة في الماضي أو في الشعر والأدب خلال الوقت الحالي.
ويذكر البرغوثي لـ"صوت السلام" أن الشاعر الكبير محمود درويش كان أول من وجد في مصر محطته الأولى بعد تهجيره، مما يضفي عليها مكانة خاصة في قلب كل فلسطيني: "أشعر بالانتماء الشديد لهذا الجناح وكل ما يقدمه من كتب".
نفس الفخر والانتماء تشعر به سماح بركات، نازحة من شمال غزة إلى مصر، وهي تقف داخل جناح دولتها فلسطين في المعرض، فهي الدورة الأولى التي تحضرها، تقول: "جئت أبحث عن روايات غسان كنفاني الروائي الفلسطيني، الذي عبر عن المأساة التي يعيشها شعبي".
قصف الاحتلال منزل سماح بما فيهم المكتبة التي كانت تعتز بها وتضم أبرز الدواوين الشعرية والروايات التي تصف معاناة الشعب: "تدافعت كل الذكريات في ذهني بمجرد دخولي جناح غزة في المعرض، تذكرت الشهداء من أهلي والأدباء وأعلام الدولة الفلسطينية الذين استشهدوا جميعًا جراء حرب الإبادة".
على الجانب الآخر من الجناح، كانت تقف لينا ابنة سماح، وهي تتصفح كتاب "غزة خمسة آلاف عام حضور وحضارة"، تأمل في استكشاف ماضي غزة العريق قبل أن تدمّر الحروب والتحديات المتلاحقة جوانب كثيرة من تاريخها.
تقول: "غزة مدينة صغيرة، وكلنا بنعرف بعض، والحزن يكون شديد على الشهداء، فتحت عيني على الدمار لم أكن أعرف غزة قبل ما يحدث الآن"، موضحة أنها المرة الأولى التي تشارك في معرض الكتاب بالقاهرة.
بينما تشير دينا الصباح، شقيقة لينا، وإحدى زوار جناح غزة بالمعرض، إلى أنها لاحظت الدعم الكبير لغزة وفنانيها من الخارج، واشتروا روايات غسان كنفاني من الجناح المصري، واكتشفوا أن العديد من دور النشر تنشر أعمال كتّاب فلسطينيين.
اختفاء دول الشام من المعرض
رغم التواجد القوي الذي كانت تمثله دول الشام في معرض الكتاب خلال السنوات الماضية، لم يكن لها حضور ملحوظ هذا العام، بسبب الحروب التي خاضتها خلال الفترة الأخيرة.
في سبتمبر الماضي، شن الاحتلال الاسرائيلي هجومًا ضد لبنان على خلفية حربها في غزة، مما أثّر بشكل كبير على الحركة الثقافية في بيروت، وخلال الدورة الحالية للمعرض غابت لبنان عن المشاركة بجناح السفارة اللبنانية، وكان التواجد الوحيد لدور النشر اللبنانية بشكل محدود.
يوضح حسن كمال، صاحب إحدى دور النشر اللبنانية، أن القصف الاسرائيلي في الجنوب اللبناني أثر بشكل كبير على إقبال الجمهور على الإصدارات من الكتب، إنتاجًا وشراءً، وتابع: "انخفضت المبيعات بشكل كامل خلال الثلاثة أشهر الأخيرة بعد القصف الاسرائيلي، الذي كان عنيفًا وهمجيًا، ما جعل اللبنانيين يغيرون أولوياتهم في البحث عن أساسيات الحياة، متجاهلين الثقافة والقراءة، لذلك فإن لبنان تمر بفترة من الجمود الثقافي بعد هذه الأحداث".
ومع ذلك، أبدى كمال اهتمامًا بالحضور إلى المعرض، حيث بدأ في الاستعداد له قبل شهر من انطلاقه، وقدم كتبًا تناولت الأزمة الاقتصادية في لبنان بعد 2019، بالإضافة إلى كتب عن الحروب الأهلية والغزو الإسرائيلي المستمر على مر السنوات، بهدف تسليط الضوء على الوضع السياسي والاقتصادي في لبنان.
ولم يكن حال سوريا أفضل، إذ غاب جناح السفارة السورية عن المشاركة في المعرض هذا العام.
يقول أحد القائمين على دور النشر السورية (رفض ذكر اسمه)، إن صاحب الدار، الذي يحمل الجنسية السورية، لم يتمكن من الحضور بسبب منع سفره من سوريا إلى مصر، لذا، وكّل شخصًا آخر للقيام بكافة الإجراءات الرسمية المتعلقة بالجناح، ووصلت الكتب عبر ميناء الإسكندرية، ليتمكن من حضور المعرض.
بينما يعزي حسن الرفاعي، مدير دار نشر سورية، عدم مشاركة السفارة السورية بجناح خاص خلال الدورة الحالية، بسبب صعوبات في الطباعة، مبينًا أن الشحن بين الدول أصبح أمرًا معقدًا في سوريا، لأن الأمر يتطلب طباعة الكتب في بيروت ومن ثم شحنها إلى ميناء الإسكندرية، ما يرفع التكاليف ويزيد من صعوبة العمل، وهو ما يعكس حال الثقافة في سوريا بشكل عام.