في لحظة حاسمة قد تُغيّر مجرى الأحداث في غزة، تترقب الأوساط السياسية والعسكرية تطورات الـ48 ساعة المقبلة، التي تحدد مصير دخول اتفاق الهدنة بين حماس وإسرائيل حيز التنفيذ، بينما تتسارع الجهود للوصول إلى وقف إطلاق النار تتعقد الأمور في أروقة الحكومة الإسرائيلية.
يعود ذلك إلى ضرورة مرور المصادقة القانونية على الصفقة بعدة مراحل، تبدأ بالتصديق مما يعرف بـ"الكابينت الإسرائيلي" ثم الحكومة الموسعة، وربما تصويت الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، وهو ما يسمح لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تمرير الاتفاق بشكل سريع.
هذه الإجراءات التي من المفترض ألا تتجاوز الـ48 ساعة قد تكون فاصلة بين تحقيق السلام المؤقت أو تفجر الوضع مجددًا، مما يجعل الساعات القادمة أكثر حساسية من أي وقت مضى، فما قصة تلك الساعات وكيف تجعل الهدنة في غزة على المحك؟.
المرحلة الأولى "الكابينت"
بحسب القانون الإسرائيلي، فإن المسودة النهائية لاتفاق الهدنة الذي أبرم، أمس الأربعاء، بين حماس وإسرائيل، يُعرض أولًا على "الكابينت" وهو مجلس الوزراء الإسرائيلي الأمني للمصادقة عليه، لأنه المجلس المسؤول عن وضع الخطوط العريضة لسياسات الخارجية والدفاع وتنفيذها.
ويتضح موقف الكابينت تجاه اتفاق الهدنة من خلال تأجيل اجتماع المصادقة الذي كان مقررًا عقده ظهر اليوم الخميس، ولكن أُعلن عن تأجيل الاجتماع دون تحديد موعد آخر أو تقديم أي تبريرات لهذا التأجيل.
يعلق على ذلك، الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية في القدس، لـ"صوت السلام"، بأن الكابينت قد يستخدم سياسة التأجيل دون تحديد مواعيد واضحة للاجتماع والتصديق على الهدنة، مما يعرقل وقف إطلاق النيران خلال الأيام المقبلة.
أمس الأربعاء، توصلت حركة حماس وإسرائيل إلى هدنة بتدخل وسائط دولية، بعد عام ونصف من حرب الإبادة التي شنها الاحتلال على القطاع، عبر ثلاث مراحل رئيسية: "وقف كامل لإطلاق النيران، انسحاب تدريجي لقوات الاحتلال من القطاع مع بقاء قوات، تبادل الرهائن".
المرحلة الثانية "الحكومة"
ثم تأتي حكومة الاحتلال الموسعة في المرحلة الثانية من محطات المصادقة على اتفاق الهدنة، إذ يُعرض عليها عقب التصديق عليه من "الكابينت"، لكن الرقب يشير إلى تخوفات عدة في تلك المرحلة، بسبب اختلاف الأصوات داخل الحكومة حول قرار الهدنة ووقف إطلاق النيران وتنفيذ صفقات الأسرى.
يوضح: "ما حدث بالأمس لا يعني إقرار الهدنة، ولكنه اتفاق مبدئي بسبب ضغط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في الموافقة على الهدنة قبل دخوله البيت الأبيض؛ بسبب رغبته في تحرير الرهائن الإسرائيليين، لكن نتنياهو وعدد لا يستهان به من قيادات حكومة الاحتلال يرفضون الهدنة".
يتسق ذلك مع ما أعلنته القناة الثانية الإسرائيلية، بأن وزيري المالية "بتسلئيل سموتريتش"، والأمن القومي "إيتمار بن غفير" يعارضان الاتفاق، إذ يروا أنه مستقبل إسرائيل مرهون بالعودة إلى الحرب بقوة كبيرة، حسب وصفهما، فضلًا عن أن الوزيرين مجتمعين لديهما 14 مقعدًا بالكنيست من أصل 120، وهي كافية لإسقاط الحكومة وفق النظام السياسي الإسرائيلي.
بينما يُشير الرقب إلى أنه في جميع الأحوال، تعيش غزة حتى صباح الأحد المقبل، أجواء متوترة قد تهدد اتفاق الهدنة، بسبب أزمة تعطيل اتخاذ القرار نتيجة للإجازة الأسبوعية التي تبدأ من نصف يوم الجمعة ويوم السبت وفقًا للمعتقدات اليهودية، مما يؤخر اتخاذ القرار: "من المتوقع أن يكون الإعلان الرسمي صباح الأحد 19 يناير أو في أسوأ الظروف يوم الاثنين 20 يناير، ما لم تَنفّذ إسرائيل مزيدًا من الغارات على أهالي غزة".
وسط الفرحة التي عمت قطاع غزة بالأمس بسبب الهدنة، أغارت إسرائيل على مدن وبيوت عدة بالقطاع، وأسقطت 50 شهيدًا وعشرات الجرحى، وهنا يعرب الرقب عن قلقه من التأجيل المستمر للمصادقة على الهدنة، والذي من شأنه استمرار جرائم القصف في حق المدنيين.
المرحلة الثالثة "الكنيست"
لا يدخل تأييد الكنيست الإسرائيلي ضمن المراحل التي تطلبها المصادقة على الاتفاق، لكنه يظل مرهونًا بتقديم أحد وزراء الحكومة طلب بالحصول على موافقته، ولكن بحسب الرقب موقف البرلمان الإسرائيلي يشوبه القلق إذ يعتبر بعض أعضائه أن وقف اطلاق النار في غزة يهدد مستقبل إسرائيل.
ويرى أنه من المتوقع أن ينسحب الحزب الديني القومي المعبر عن اليمين الإسرائيلي من الكنيست على خلفية رفضه للاتفاق، مبينًا أن الأحزاب اليمينية تمتلك قرابة نصف المقاعد تمثل الأغلبية في المجلس.
وكان أعضاء في الكنيست من حزب "الصهيونية الدينية" قد لوحوا في وقت سابق بالانسحاب من الحكومة على خلفية الاتفاق.
المرحلة الرابعة "البيت الأبيض"
كما يظل ضرورة دعم البيت الأبيض لاتفاق الهدنة أمرًا حاسمًا، رغم أنه ليس مرحلة رسمية، إلا أنه يمثل ضرورة سياسية ضمنية لضمان تنفيذ الاتفاق.
في هذا السياق، يقول الدكتور محمد عثمان، الباحث في العلاقات الدولية: "القول الفصل في دخول الاتفاق حيز التنفيذ يعود للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث يتعين على حكومة الاحتلال مصادقة مجلس وزرائها على الصفقة نتيجة للضغط الأمريكي المتواصل".
يضيف لـ"صوت السلام: "من الواضح أن هناك ترددًا ومماطلة من جانب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يخشى من رفض الصفقة ومن ثم انسحاب الأحزاب المتطرفة من حكومته، ما قد يؤدي إلى انهيارها".
ويوضح: "لذلك يسعى نتنياهو إلى الحصول على ضمانات معينة من الولايات المتحدة، تسمح له بالعودة إلى الحرب مرة أخرى بعد إتمام صفقة التبادل، وذلك بهدف تعزيز استقرار حكومته وكسب دعم الأطراف المتطرفة داخلها لا سيما اليمين الإسرائيلي".
تظاهرات تربك المشهد
يظهر موقف اليمين الإسرائيلي من اتفاق الهدنة في المظاهرات التي اجتاحت شوارع تل أبيب بالأمس؛ وقبل يومين تظاهر حوالي ألف إسرائيلي من التيار اليميني أيضًا في القدس المحتلة ضد اتفاق وقف إطلاق النار، وقاموا بإغلاق الطريق السريع الرئيسي المؤدي إلى المدينة وحملوا لافتة مكتوب عليها "ليس لديكم تفويض للاستسلام لحماس".
ويرى الرقب أن الاحتلال يعتبر هذه المظاهرات شكلًا من أشكال الديمقراطية، ويحرص على تسليط الضوء عليها، لكن من الناحية السياسية فإن هذه المظاهرات لن تؤثر على قرارات الحكومة، لأن ضغط الرئيس الأمريكي على تبادل الرهائن قبل تنصيبه يعد أكبر تأثيرًا من أي مظاهرة أو قرار داخلي للحكومة الإسرائيلية.
يتسق ما ذكره أستاذ العلوم السياسية مع الدكتور محمد عثمان، إذ يرى أن فرص نجاح هذا الاتفاق أكبر من الاتفاقات السابقة، بعد عام وثلاثة أشهر من التعنت الإسرائيلي المستمر، مضيفًا: "رغم أن الاتفاق لا ينص صراحة على بند وقف إطلاق نار دائم، إلا أن ملامحه الأولية تظل مشجعة وباعثة للأمل".
يوضح: "يتجلى ذلك في طبيعته الشمولية التي تتجاوز مجرد صفقة تبادل الأسرى، لتشمل معالجة قضايا أكثر تعقيدًا، مثل الانسحاب الإسرائيلي من معظم أراضي القطاع، وإدخال المساعدات الإنسانية، وتحديد إطار زمني لإعادة الإعمار، هذه الجوانب تمنح الاتفاق زخمًا أكبر وفرصة لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض".
يظل مصير قطاع غزة مرهونًا بتصويت حكومة الاحتلال والمجلس التشريعي، بعد 15 شهرًا من حرب إبادة خلفت وراءها 70 ألف شهيد، و116 ألف جريح، ونزوح نحو 2 مليون مدني من شمال القطاع، لذلك فإن الساعات والأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الاتفاق سيتحقق أم أن ستعود الأوضاع إلى ما كانت عليه.