أحفاد الحكاية.. كيف صنعت "الورشة" جيلًا جديدًا من الحكّائين؟

تصوير: عبدالرحمن خليفة - ورشة الفرقة أثناء جلسات الحكي

كتب/ت عبدالرحمن خليفة
2025-05-28 10:00:05

تحت وهج قنديل صغير يتأرجح ضوءه في فناء بيت طيني قديم، جلس الجد "عباس" السبعيني، فوق حصيرة من الجريد، والتف حوله أطفال القرية كأنهم عصافير مندهشة، تتبع أنظارها كل حركة في وجهه، وكل نغمة في صوته، وهي يقصّ عليهم حكاية رُسمت في جدران ذاكرتهم للأبد.

كانت الليلة ساكنة إلا من صوته الممزوج بلهجة الصعيد، وهو يبدأ حكايته التي سمعها جيل يلي الآخر في قرى المنيا: "هحكيلكم حكاية زينب، بلدنا المنيا ناس كتير بيسموها بلد زينب، بعض الناس بيقولوا إن زينب كانت ست خاطئة، بس الحقيقة غير كده".

شدّ الأطفال أطراف جلابيبهم وتراصوا أكثر حول الجد، وعيونهم تتسع دهشة كلما توغل في تفاصيل الحكاية: "زينب يا ولاد كانت قاعدة هي وجوزها في أرضهم الزراعية، وجه جندي من الاحتلال الإنجليزي، وتحرش بيها، جريت وهي بتصرخ وتنده على جوزها، اللي جري عشان يحميها ويدافع عنها، حصلت مواجهة بين جوز زينب والجندي، وفي اللحظة دي، الجندي قتل جوزها".

هنا شهق أحد الأطفال من المفاجئة إذ استطاع الجد عباس، وهو أحد حكائين المنيا، شد انتباههم بالوصول إلى ذروة القصة، وعمّ الصمت، وكأن أنفاس الأطفال حُبست في صدورهم. 

بهذا الإيقاع الشعبي العذب، لم يكن الجد عباس يحكي قصة فقط، بل كان يبعث تراثًا حيًا في صدور الصغار. مرت السنوات وكبر الصغار ورويدًا بدأ فن الحكي بالشكل القديم في المنيا يندثر ويتطور، وتحولت جلسات الحكواتي من المصاطب أمام المنازل، إلى ورش حكي تُعقد في نوادي الأدب، كمحاولة للحفاظ على هذا الفن في عصر السرعة.

اكتشاف حب الحكي

حسن الجريتلي، مؤسس فرقة "الورشة" المسرحية، وأحد رواد فن الحكي في المنيا، والذي أحبه منذ الصغر، حيث أسس فرقته عام 1987 كأول فرقة مستقلة تسعى إلى تقديم تجارب فنية نابعة من التراث الشعبي والفنون الأصيلة.

 يروي الجريتلي كيف اكتشف فن الحكي قائلاً: "في زيارة لي إلى المنيا، رأيت الراحل رمضان خاطر، الممثل والحكاء من مركز بني مزار، لاحظت موهبته المميزة عندما شاهدته في عرض مسرحي لفرقة بني مزار تأثرت بأدائه كثيرًا، فقررت زيارته في منزله لاحقًا".

خلال الزيارة، كانت عائلة رمضان تقدم للجريتلي أطباق الطعام واحدة تلو الأخرى، في كرم أصيل من أهل بني مزار: "بينما كنا نأكل، بدأ رمضان يروي لي قصصًا عن أهل البلدة وجيرانها، وعن تفاصيل الحياة اليومية التي تنبض في تلك القرية الطيبة، كلما فكرت في الخروج لرؤية المكان، تأتي أطباق جديدة، ويواصل رمضان سرد حكاياته، وكأن الأطباق تحولت إلى مشاهد تحكي الحكاية".

امتد الوقت حتى حلول الليل، ولم يستطع الجريتلي المغادرة، عندها أدرك أنه أمام كنز حقيقي من القصص الغنية التي رواها رمضان، وكانت هذه الحكايات بديلًا أعمق وأكثر تأثيرًا من الرحلة نفسها.

لم يكن اكتشاف حسن الجريتلي لفن الحكي وليد لحظة واحدة، يروي أنه خلال تحضيرات عمل مسرحي يدور حول قصة "حسن ونعيمة"، بالتعاون مع الكاتب نجيب جويلي، بدأ اهتمامه بالحكي الشعبي يتعمق، يقول: "أثناء البحث في السيرة الهلالية كمصدر، خطرت لنا فكرة تدريب الممثلين على فن الحكي، فقررنا زيارة الفنان الراحل علي جرمون في نجع حمادي، المعروف ببراعته في السرد".

هناك، وأثناء نقاشهما معه حول تفاصيل الورشة، تولدت لديهما فكرة إشراك رواة شعبيين يمتلكون موهبة الحكي الفطري لتدريب الممثلين، حتى يكتسب الأداء طابعًا عفويًا وشعبيًا حقيقيًا.

يضيف الجريتلي: "عثرنا أيضًا على كتاب قديم بلا غلاف، يتناول الحكي الشعبي في محافظة الدقهلية، كان قد جمعه الباحث الأنثروبولوجي فتوح أحمد فرج، استخدمناه كمصدر أساسي خلال التدريب، وساعدنا كثيرًا في ترسيخ الحكي كجزء من المنهج الفني لفرقتنا".

الحكي منهجية مستقلة

منذ تلك اللحظات، أصبح فن الحكي جزءًا لا يتجزأ من منهج التدريب داخل "فرقة الورشة"، التي أسسها الجريتلي، ومع مرور الوقت، أدرك أن الحكي لا يحتاج دائمًا إلى نصوص مسرحية تقليدية، بل يمكن أن يكون فنًا قائمًا بذاته، يقول: "تدريبنا لممثلين مثل رمضان خاطر وسيد رجب وحنان يوسف كشف لي أن الحكي ليس مجرد أداة نستخدمها في المسرح، بل هو منهج متكامل يمكن الاعتماد عليه في بناء عروض مستقلة".

وحول واقع الحكي اليوم، يرى الجريتلي أن انعقاد "ملتقى القاهرة الدولي للحكي" في الفترة من 16 إلى 22 أبريل، والذي حمل اسمه، يمثل لحظة فارقة في مسار هذا الفن، ويضيف: "لفترة طويلة، ظل الحكي يُمارس في السياق الشعبي فقط، دون أن يُعترف به كفن احترافي، لكن اليوم، أصبح يحظى بمكانة واحترام ضمن الفنون الأدائية الأخرى في نوادي الأدب وقصور الثقافة، وهذا الملتقى كان خطوة حقيقية لترسيخ تلك المكانة".

يطرح الجريتلي تساؤلًا لافتًا: "إذا كان المسرح هو أبو الفنون، فمن يكون أبو المسرح؟" ليجيب دون تردد: "الحكي هو أبو المسرح في ثقافات كثيرة، والمسرح، كما ورثناه من التقاليد الأوروبية، بدأ في أصله من الحكي، في العصر الإغريقي، كانت المسرحيات تُكتب انطلاقًا من قصص متداولة، مثل الفرس لـ"أسخيلوس" التي استلهمها من وقائع تاريخية، أو الأعمال الملحمية مثل الإلياذة والأوديسة لـ"هوميروس"، والتي كانت في جوهرها سردًا شفهيًا نُقل من جيل إلى آخر".

بهذا المعنى، يرى الجريتلي أن الحكي ليس مجرد فن قائم بذاته، بل هو الأصل والجذر الذي نبتت منه الفنون الأدائية كلها، وعلى رأسها المسرح.

تجربة "الورشة" في فن الحكي

حمل حسن الجريتلي شغفه العميق بالحكي وانطلق به في رحلة صعبة لكنها ضرورية، كانت وجهتها المنيا، عبر "فرقة الورشة" التي أراد لها أن تكون لامركزية، قريبة من العامة، لا تنتظر الجمهور في العاصمة بل تذهب إليه في الأقاليم. 

لم يكن الطريق ممهدًا؛ الكثير من الفنانين الشباب فضّلوا الهجرة إلى القاهرة بحثًا عن فرص أكبر، وواجهت الفكرة مقاومة صامتة من واقع ثقافي ذو طابع مركزي.

لكن الجريتلي لم يتراجع. في عام 1993، قدمت الفرقة عرضها "غزير الليل" في مدرسة الآباء اليسوعيين بالمنيا، لتبدأ من هناك علاقة طويلة بين الورشة والمنيا استمرت حتى عام 2020، وخلال هذه السنوات، قدمت الفرقة عروضًا فنية وورش حكي للأطفال والشباب، حتى أصبح الحكي جزءًا من المشهد الثقافي المحلي، لا كحالة عابرة، بل كوسيلة تعبير يومية.

لم تكن التجربة مجرد إقامة عروض، بل بناء حقيقي لمدارس جديدة في الأداء، يقول: "لم يكن الحكي مجرد أداة لحفظ التراث، بل وسيلة لإعادة وصل المسرح بجذوره الأولى، وجمهوره الحقيقي، وبالخيال الشعبي الذي يغذي الفنون من الأساس".

 يرى الجريتلي أن الحكي شكل من أشكال التعبير الحي، يتقاطع فيه الخيال مع المعرفة، والعفوية مع الفن، ويؤمن بأن "الحكّاء الجيد في جوهره ممثل عظيم، لأنه لا يملك إلا صوته وخياله كي يحرك الجمهور من الداخل".

شعراوي: "الحكي متجذر في مصر"

من بين الحكائين الذين خرجوا من رحم تجربة "الورشة"، يبرز اسم محمد شعراوي، ابن محافظة المنيا، كأحد الحكّائين الذين تشرّبوا هذا الفن حتى أصبح جزءًا من ذواتهم، انضم إلى فرقة "الورشة" عام 2015، وتعلم فن الحكي على يد بهاء طلبة، أحد المدربين البارزين في الفرقة، وكذلك المسرحي حسن الجريتلي، الذي ترك بصمته على مسيرة كثير من الموهوبين.

بدأ شعراوي كمتدرب شغوف، يتلقى الحكايات ويعيد تشكيلها بصوته، ثم سرعان ما تحول إلى مدرب، وكانت أولى خطواته في هذا الدور من خلال مشروع "دفتر هوامش" التابع لمركز الدراسات اللبنانية، حيث تولى تدريب آخرين على فن الحكي، كما تعلمه هو من قبل.

يقول: "الحكي متجذر في الشخصية المصرية منذ آلاف السنين، حتى الفراعنة نقشوا قصصهم على جدران المعابد"، هو فن لا يحتاج إلى ديكور أو أدوات، بل يعتمد كليًا على التفاعل الحي بين الحكّاء وجمهوره، وعلى الخيال المشترك الذي يبنيه الراوي مع مستمعيه لحظة بلحظة".

من بين القصص الأقرب إلى قلبه، يروي شعراوي دائمًا حكاية لطفلة من غزة فقدت صديقها في غارة جوية، يتحدث عنها بتقدير ووجل، مؤكدًا أنه تعلّم كيف ينقل هذه القصة المؤلمة بإحساس صادق بعدما تدرب على أدائها.

ويستعيد شعراوي مشاركته في ملتقيات الحكي، معبرًا عن فخره بأن تحمل الدورة الأولى اسم الجريتلي، الذي يعتبره مرجعًا وأبًا روحيًا لهذا الفن. يقول إن المشهد الثقافي في المنيا لم يعد كما كان، فقد بدأت تتشكل مجموعات فنية جديدة تمارس الحكي بتأثر مباشر بتجربة "الورشة"، وتنقله إلى جيل جديد، يحمل المشعل بطريقته، لكن بروح الحكاية نفسها.

لم يكن محمد شعراوي وحده من شق طريقه مع فرقة "الورشة" نحو فن الحكي، بل شاركه هذه الرحلة أيضًا أبانوب زكريا، ابن مركز أبو قرقاص بمحافظة المنيا. 

أبانوب: "أحب جملة أحكي كمان"

بدأ أبانوب مسيرته في عالم التمثيل، قبل أن يلتقي بالحكي صدفة عبر "الورشة" في عام 2018، ليكتشف بعدها عالمًا مغايرًا تمامًا عمّا عرفه من قبل. يقول: "الحكي لم يكن مجرد انتقال من فن إلى آخر، بل تحول في نظري إلى وسيلة للتعبير عن الذات، ولغة حية تصل إلى الناس بقوة وبساطة".

خلال سنوات قليلة، قدم أبانوب عروضًا داخل مصر وخارجها، من أبرزها مشاركته في مهرجان "حكايا" بالأردن عام 2019، مؤمنًا أن الحكي يعيش لحظة انتعاش حقيقية في القاهرة، لكنه لا يزال في حاجة إلى دعم أكبر في المحافظات، وخاصة في المنيا.

ورغم ذلك، يشعر بسعادة غامرة في كل مرة يقدّم فيها عرضًا أمام جمهور قروي بسيط: "دهشة الناس حين تبدأ الحكاية، وخاصة حين تتناول تفاصيل من حياتهم اليومية، تخلق لحظة سحرية تنتهي غالبًا بجملة مكررة من الجمهور احكي كمان".

تجربة "الورشة" في المنيا لم تكن مشروعًا عابرًا، بل كانت بمثابة عملية بعث لفن الحكي بالمنيا، واستخرجت من تراب الصعيد أصواتًا منسية، وأعادت الحياة إلى حكايات كانت مهددة بالنسيان، من قلب هذه التربة خرجت أسماء مثل رمضان خاطر، ومحمد شعراوي، وأبانوب زكريا، امتدادًا للجد عباس، الذي كان يحكي بفطرته، ليصبحوا شهودًا على أن الحكي لا يزال قادرًا على صنع الدهشة، وبناء جسور من الخيال الحي بين الناس.