لم يكن بساط الجودو بالنسبة لـ"مازن محمد" مجرد مساحة للمنافسة، أو منصة للتتويج، أو لحظات عابرة تنتهي بانتهاء البطولة، فمنذ أن وطأت قدماه البساط قبل أربع سنوات، بدأ ابن أسوان، الذي لم يتجاوز عامه الثاني عشر، في كتابة حكاية صغيرة بطموح كبير؛ حكاية لاعب يتعلم كل يوم كيف يسقط ثم ينهض، وكيف يحول التدريب والانضباط إلى خطوة جديدة نحو منصة التتويج.
يتذكر مازن بدايته مع اللعبة، التي بدأ ممارستها منذ أربع سنوات، لتتحول تدريجيًا من مجرد تدريب إلى طريق يسعى من خلاله إلى تحقيق البطولات، وفي مدينة العلمين، وبين منافسات البطولة العربية للجودو التي أقيمت خلال الفترة من 17 إلى 22 أغسطس، جاءت إحدى أهم محطاته حتى الآن.

خاض مازن منافسات وزن 46 كجم ضمن صفوف المنتخب القومي للناشئين، وتمكن من الوصول إلى المباراة النهائية، قبل أن يحصد الميدالية الفضية والمركز الثاني، قائلًا: "الوصول إلى النهائي كان لحظة مهمة بالنسبة لي، والميدالية الفضية تمثل إنجازًا جديدًا يضاف إلى مشواري الذي بدأته في سن مبكرة".
البداية.. حين اختار مازن الجودو
بدأ مازن ممارسة الجودو في الثامنة من عمره، وسرعان ما تحول شغفه باللعبة إلى مسار أكثر جدية، بعدما خضع لاختبارات انتقاء المشروع القومي للموهبة والبطل الأولمبي التابع لوزارة الشباب والرياضة، ونجح في الانضمام إليه.

يقول والده محمد عابد: "مازن بدأ الجودو من أربع سنين، ومن وقتها وهو ملتزم بالتدريب والبطولات". وخلال هذه السنوات، حقق مازن المركز الثالث على مستوى الجمهورية قبل ثلاثة أعوام، ثم المركز الخامس العام الماضي، ليواصل خطواته في المنافسات ويكتسب مزيدًا من الخبرة.
أما مازن، يتذكر بدايته مع اللعبة: "بدأت مسيرتي في رياضة الجودو منذ أربع سنوات، وانجذبت إليها كوني وجدتها رياضة متميزة للدفاع عن النفس".
ومع الوقت، لم يعد مازن يخوض رحلته الرياضية وحده، إذ كان والداه الداعم الأكبر له ومدربه في نفس الوقت: "تعلمت من والدي الدرس الأهم في حياتي ألا أعرف الخوف أبدًا".

وقبل مشاركته في البطولة العربية، استعد مازن ببرنامج تدريبي مكثف بدأ قبل انطلاقها بشهر، تخلله خوض لقاءات ودية مع أندية في القاهرة، بينها النصر ومصر للطيران، إلى جانب أسيوط وسوهاج، بهدف زيادة الاحتكاك واكتساب الخبرة.
وكان الاحتكاك بالمنافسين جزءًا أساسيًا من خطة الاستعداد، وهو ما يوضحه والده: "كنا حريصين قبل البطولة على إن مازن يخوض مباريات ودية كتير، لأن الاحتكاك مهم جدًا للاعب في سنه، والهدف كان إنه يواجه لاعبين مختلفين ويتعود على أجواء المنافسات".
بين الكتب والبساط.. مازن يتحدى الوقت
كذلك حاول مازن قبيل البطولة الموازنة بين التدريب المكثف والدراسة، لكونها تحتل مكانة أساسية في حياته إلى جانب الرياضة، لذا يتدرب أربعة أيام أسبوعيًا من السادسة حتى الثامنة مساءً، بما يتناسب مع مواعيد دراسته.
ويؤكد والده أن الأسرة تحرص على تحقيق هذا التوازن: "الدراسة عندنا أساسية زي الرياضة بالضبط، وعشان كده بننظم مواعيد التدريب بحيث ما يحصلش تعارض". ويشارك مازن والده هذه الرؤية، موضحًا أن تجربته داخل "المشروع القومي للموهبة والبطل الأولمبي" علمته أهمية تنظيم الوقت والتوفيق بين الدراسة والتدريب.
ويقول: "حرصت على تنظيم وقتي من خلال وضع جدول زمني محدد للتوفيق بين الالتزامات الدراسية والتمارين الرياضية".
ولا تتوقف فوائد الجودو بالنسبة للأسرة عند حدود المنافسة، إذ يرى والده أن اللعبة أسهمت في بناء شخصية نجله، ومنحته الثقة بالنفس واتزانًا وانضباطًا.
المباراة الأصعب.. والفضية الأولى
في المباراة النهائية للبطولة العربية، واجه مازن لاعبًا كويتيًا، في اللقاء الذي يصفه بالأصعب بالنسبة له، إلا أن مازن تمكن من التعامل بقوة واستكمال المباراة بثبات، لذا انتهى اللقاء بخسارة خصمه، ليحصد الميدالية الفضية والمركز الثاني.
رغم أن الذهب كان الهدف، يرى والده أن النتيجة تمثل إنجازًا مهمًا للاعب في هذه السن: "كنا نتمنى الذهب، لكن الفضية إنجاز مهم، والأهم إن مازن خرج من البطولة بخبرة كبيرة".
أما لحظة إعلان النتيجة، فكانت بالنسبة لمازن من أكثر اللحظات التي ستظل عالقة في ذاكرته: "عند إعلان فوزي بالمركز الثاني، غمرتني سعادة عارمة، لشعوري بأن جهدي وتدريبي الشاق لم يذهبا سدى".
وكان أول من حرص مازن على مشاركته فرحته أحد أصدقائه المقربين، الذي كان من أوائل من تلقوا منه خبر التتويج. لكن البطولة لم تمنحه ميدالية فقط، وإنما تركت لديه درسًا مهمًا في كيفية التعامل مع التوتر والضغط النفسي أثناء المنافسات.
ويقول مازن: "خرجت من هذه البطولة بدرس مهم، وهو أن الفرص قد تضيع بسبب الاضطراب، لذلك أدركت أهمية عدم الاستسلام للتوتر". ويوضح أن التوتر كان أحد التحديات التي واجهته في بداية البطولة، قبل أن يتمكن من السيطرة عليه بعد حسم المباراة الأولى لصالحه.
الذهب.. الهدف المقبل
بعد فضية العلمين، يواصل مازن تدريباته استعدادًا للموسم الجديد، واضعًا نصب عينيه الوصول إلى منصات التتويج وحصد الذهبية في المرة المقبلة، لكن طموح مازن لا يتوقف عند الميدالية الذهبية في البطولات المقبلة، فهو ينظر إلى مسافة أبعد، ويحلم بالوصول إلى أكبر منصة في الرياضة العالمية.
ويقول: "حلمي الأكبر هو استكمال هذا الطريق للوصول إلى الأولمبياد وتحقيق ميدالية أولمبية، ثم الانتقال مستقبلًا إلى مجال التدريب".
ومن العلمين إلى أسوان، يحمل مازن فضية جديدة وخبرة أكبر، بينما يظل البساط مفتوحًا أمام حلم لم يكتمل بعد؛ حلم لاعب صغير بدأ من أسوان، لكنه ينظر بعينيه إلى الأولمبياد.