أسفل شمسٍ حارقة، وعلى ضفاف النيل حيث يلمع الماء كمرآةٍ واسعة، تستقر ورشة صغيرة في جزيرة سهيل يواصل فيها مصطفى فتحي، 45 عامًا، عمله في صناعة وصيانة اللنشات السياحية والمراكب، تتناثر قطع الحديد حوله، وتتصاعد شرارات اللحام بينما ينحني مصطفى فوق هيكل لنشٍ قيد التشكل، يصنع منه حكاية جديدة تُضاف إلى تاريخ طويل من الحرفة المتوارثة.
نشأ مصطفى في منطقة المنصورية التابعة لمركز دراو بمحافظة أسوان، حيث بدأت حكايته الأولى مع هذه المهنة. في تلك البيئة التي تُورَّث فيها الحرفة كما تُورَّث الملامح، كبر وهو يراقب آباءه وأجداده يعملون في صناعة المراكب، حتى أصبحت هذه الحرفة جزءًا أصيلًا من تكوينه لا يمكن فصله عنه.

ولم يقتصر تكوينه على الخبرة العملية فقط، بل حصل أيضًا على دبلوم فني تجاري، وهو ما ساعده على إدارة عمله بشكل أكثر تنظيمًا.
غربة لم تُنهِ حكاية المهنة
في شبابه، عمل مصطفى فتحي في المهنة ذاتها التي احترفها والده، في صناعة وصيانة اللنشات والمراكب، لكن مسار حياته لم يسر بشكل مستقيم. ففي عام 2010، قرر السفر إلى المملكة العربية السعودية بحثًا عن فرصة عمل مختلفة، حيث اشتغل هناك في مجال الحديد، واكتسب خبرة أوسع في التعامل مع الخامات وأعمال التصنيع، وظل هناك حتى عام 2019.
ورغم سنوات الاغتراب، لم تنقطع صلته بالمهنة التي نشأ عليها: "الإنسان لا يستطيع الانفصال عن مهنته المتوارثة مهما ابتعد عنها". ومع هذه القناعة، عاد إلى وطنه حاملاً تلك الخبرات ليبدأ من جديد في المجال نفسه الذي ارتبط به منذ الطفولة ويعمل في ورشة والده.

منذ سبعة أشهر، افتتح مصطفى ورشته الجديدة في جزيرة سهيل، ليبدأ فصلًا جديدًا من العمل على ضفاف النيل مباشرة. ويسترجع جذور المهنة: "ما أقوم به اليوم ليس جديدًا عليّ، بل هو امتداد لما بدأه أجدادي منذ عقود، حين كانت صناعة المراكب تعتمد على الخشب والشراع".
ومع تطور الزمن، تحولت هذه الصناعة تدريجيًا إلى استخدام الحديد، خاصة منذ ثمانينيات القرن الماضي، حتى أصبحت المراكب الحديدية هي السائدة في الوقت الحالي، وهو ما يواصل مصطفى العمل عليه اليوم داخل ورشته الجديدة.
رحلة من شرارة اللحام إلى لحظة الإبحار
داخل الورشة تبدأ رحلة تصنيع اللنش بخطوات دقيقة ومتتابعة، إذ يشكل مصطفى الهيكل العظمي من عيدان الحديد أولًا، ثم تثبيته وربطه بالحزامات الحديدية، قبل أن يُرفع ويُغطى بألواح الصاج.
ويؤكد مصطفى أن هذه المراحل لا تحتمل الخطأ: "المهنة في مجملها صعبة وتعتمد على المقاسات الدقيقة، فلا يوجد مكان للعشوائية أو الارتجال". وبعد ذلك، تُستكمل عملية التصنيع بإضافة التقسيمات الداخلية، مثل المقاعد ومكان المحرك، ثم تُركب المظلة وبقية التفاصيل النهائية وفق طلب الزبون.

ورغم أن اللنش يبدو من الخارج كتلة حديدية، إلا أنه قادر على الطفو فوق الماء بفضل تصميمه المجوف الدقيق، الذي يعتمد على قاعدة أسطوانية تُعرف باسم "الحصيرة"، إلى جانب لحام محكم يمنع تسرب المياه. هذه التفاصيل الفنية لا يلاحظها الزبائن غالبًا، لكنها تمثل جوهر الصنعة التي يحرص مصطفى على إتقانها.
أما المراكب، فلا تزال تحتفظ بجزء من شكلها القديم لا سيما الخشبية ذات الأشرعة والتي تعد السائدة على النيل، ورغم طابعها الجمالي والتراثي الذي يجذب السائحين، فإن الطلب عليها لم يعد كما كان في الماضي.
ويقول مصطفى إن الإقبال بات يتركز بشكل أكبر على اللنشات الحديثة، نظرًا لسرعتها واعتمادها على المحركات. ومع ذلك، تظل المراكب الشراعية حاضرة في ذاكرته وفي تفاصيل المهنة، كجزء من تاريخ طويل لا ينفصل عنه.
يبدأ يوم العمل في الورشة في الثامنة صباحًا ويستمر حتى غروب الشمس، تحت حرارة قاسية تُعد من أبرز التحديات اليومية. يقول مصطفى: "أصعب ما نتحمله هو حرارة الجو وسخونة الحديد أثناء العمل، لكننا اعتدنا على ذلك مع الوقت".
وتعتمد هذه الصناعة بدرجة كبيرة على حركة السياحة، إذ تُستخدم اللنشات في نقل الزوار بين الجزر والمزارات النيلية.
من يد إلى أخرى.. حرفة لا تنقطع
لا يقتصر اهتمام مصطفى على العمل داخل الورشة فقط، بل يمتد إلى محاولة نقل خبرته للأجيال الجديدة. لذا يعمل معه ابنه محمود ويتعلم خطوات المهنة تدريجيًا، من الملاحظة إلى التنفيذ، كما يفتح الباب أمام الشباب الراغبين في تعلم الصنعة، إيمانًا منه بأن الحرفة لا تستمر إلا بانتقالها من يدٍ إلى أخرى.
ورغم ما يحيط بالمهنة من تحديات، تبقى لحظة تسليم اللنش أو المركب من أكثر اللحظات التي ينتظرها مصطفى: "عندما يكتمل العمل ودفع المركب إلى الماء لأول مرة، أشعر بأن جهد الأيام قد خفّ، وأجد في ابتسامة الزبون مكافأة حقيقية، وفي رضاه دافعًا للاستمرار، لأن مع الوقت المهنة تحولت معي ليست مجرد عمل بل مسؤولية وحب".
يواصل مصطفى رحلته بين ماضٍ حمله من جذور المهنة، وحاضر يصنعه بيديه على ضفاف النيل، وتبقى ورشته شاهدة على حرفة لا تنقطع، تتجدد مع كل مركب يولد فوق الماء.