رحلة جبانة "العناني" التاريخية من البقيع الثاني إلى أسوار الإهمال

صورة أرشيفية| جبانة العناني الشهيرة بالبقيع الأسواني

كتب/ت أمنية حسن
2026-04-14 16:02:52

وسط الكتلة السكنية المكتظة بمنشية النوبة شرق أسوان، تبرز جبانة العناني التاريخية كواحدة من أقدم الجبانات الإسلامية في مصر، شاهدة على آلاف السنين من حياة المدينة وتحولاتها، وتشتهر بـ"البقيع الأسواني".

تمتد الجبانة التي تعد جزءً من الجبانة الفاطمية الكبرى على طريق الخزان، لتروي حكاية مدينة كانت موحدة قبل أن يفرقها التوسع العمراني الحديث بحوالي كيلومترين عبر بناء المنازل وزيادة السكان.

جبانة العناني البقيع الأسواني

ساهم مناخ أسوان الجاف في بقاء مقابر الجبانة حتى يومنا هذا، رغم أن أغلبها شُيد بالطوب اللبن، الذي كان اختيارًا اقتصاديًا أكثر منه جماليًا، وكان الأكثر شيوعًا في البناء خلال حقبة الدولة الفاطمية. وتختلف التقديرات التاريخية لموعد بنائها بين القرن الثاني حتى الحادي عشر الهجري، وتقديرات أخرى إلى العصر الأموي وعصر الولاة.

تاريخ "البقيع الأسواني"

رغم قيمتها التاريخية الكبيرة، لا تزال الجبانة مغلقة أمام الزوار، ما يضع آلاف الشواهد المادية التي توثق تاريخ المدينة على حافة النسيان. لم يقتصر الأمر على ذلك، بل تعاني المنطقة من الإهمال وتحولت إلى مكب للنفايات. 

ويرجع السبب إلى غياب خطة تطوير متكاملة تنفذ بتنسيق بين وزارة السياحة والجهات التنفيذية مثل المحافظة، تشمل تمهيد الطرق المؤدية إلى الجبانة وإدراجها ضمن خريطة المزارات السياحية وبرامج الرحلات.

جبانة العناني البقيع الأسواني

يحكي علاء أبو الدهب، مدير منطقة آثار أسوان الإسلامية، تاريخ جبانة العناني إذ إنها ثاني أقدم جبانة إسلامية بعد البقيع بالمدينة المنورة، ولهذا أطلق عليها المؤرخون لقب "البقيع الثاني"، وتضم بدايات الجبانة الفاطمية بأسوان. 

وخلال العصر الإسلامي شهدت أسوان ازدهارًا ملحوظًا، إذ تحولت منذ الفتح العربي وحتى القرن السادس الهجري إلى طريق رئيسي يربط المدينة بميناء "عيذاب" على البحر الأحمر، الذي كانت تنطلق منه السفن إلى الحجاز.

هذا الموقع الاستراتيجي جعل حياة سكان المدينة مرتبطة بالحركة التجارية، كما يحكي أبو الدهب، واشتهروا بالعطارة، وتجارة سن الفيل، والصمغ، وريش النعام، وتحولت أسوان إلى نقطة التقاء للعلم والدين والتجارة والسياسة والحياة الاجتماعية، واستقبلت القوافل القادمة من إفريقيا ومن البحر الأحمر، لا سيما قوافل الحج والتجارة.

جبانة العناني البقيع الأسواني

هذا النشاط الإنساني والتجاري انعكس على جبانة العناني، التي صارت شاهدًا صامتًا على مرور العصور واحتضان المدينة للمسافرين والتجار والحجاج. وأصبحت تضم عدد من شواهد القبور التي تعود لفترات زمنية متعددة، بعدما اختلطت حياة الناس اليومية بالرحلة والتجارة والدين.

شواهد تاريخية.. ما تضمه الجبانة

ومن أبرز ما تحتويه الجبانة، شاهد قبر مؤرخ يعود إلى سنة 31 هجرية من عصر الخليفة عثمان بن عفان، ويعرف باسم عبد الرحمن الحجري، وهو محفوظ حاليًا في متحف الفن الإسلامي كأقدم أثر إسلامي عُثر عليه في مصر. يثبت هذا الشاهد أن الجبانة تعود إلى العصر الأول من عصور الخلفاء الراشدين، وأن عمليات الدفن في المنطقة استمرت حتى العصر العثماني وفقًا لـ"أبو الدهب"

ولا تضم الجبانة شاهد هذا المؤرخ فقط، ولكن هناك مجموعة كبيرة من الشواهد التي تحمل صدى قرون من التاريخ، من الهجرية الأولى والثانية، مرورًا بالعصر الطولوني والإخشيدي والفاطمي والمملوكي والأيوبي. 

يؤكد أبو الدهب أن كل شاهد قبر هنا يروي قصة مدينة أسوان التي لم تكن مجرد محطة عبور، بل موطنًا مستقرًا للعرب منذ بدايات القرن الأول الهجري، منذ أيام الفتح الإسلامي، عندما بدأت الحياة تنبض في أزقتها وأسواقها.

الإهمال يغرق جبانة "العناني"

أما الجبانة اليوم غير مؤهلة لاستقبال الزائرين كما تستحق. يقول أبو الدهب: "هي تحتاج إلى مناطق مفتوحة، ومسارات واضحة، وخدمات أساسية مثل الكافتيريات، لتستعيد رونقها وتُعطي الزائرين فرصة الشعور بعراقتها".

كما أن الجبانة ليست ضمن المزارات السياحية حاليًا، كونها تحتاج أولًا إلى مشروع ترميم متكامل يحافظ على عناصرها المعمارية، يليها تطوير المنطقة المحيطة وتهيئتها لاستقبال الزوار.

خلال جولة ميدانية في جبانة العناني بمنطقة النفق، رصدت "عين أسواني" غياب الأسوار حول أجزاء من الجبانة، ما جعلها تتحول إلى مكب للنفايات وملجأ للكلاب الضالة. كما شهدت بعض جدران القباب حالة من الإهمال وسقوط بعض الأحجار.

وبحسب مدير منطقة آثار أسوان الإسلامية هناك خطة مستقبلية لتطوير الموقع، ستُعرض على المجلس الأعلى للآثار، ثم على المحافظة خلال العام 2026، بهدف ضم الجبانة إلى برامج الترويج السياحي بالمحافظة: "العملية مشتركة بين عدة جهات، تشمل تمهيد الطرق، والنظافة، والقطاع السياحي، لضمان أن يرى الزائر قلب أسوان النابض بتاريخها الغني".

وأوضح أن الخطة تبدأ بالجبانة الفاطمية الواقعة على طريق الخزان، نظرًا لقربها من مسار الزيارات السياحية الذي يشمل المسلة الناقصة ومتحف النوبة، لتعيد للجماهير فرصة لمس التاريخ الذي صمد أمام الزمن.

ويؤكد أبو الدهب أن أسوان لا تقتصر على آثارها الفرعونية فقط، بل تضم آثارًا قبطية وإسلامية، إلى جانب آثار الدولة الحديثة وعصر محمد علي، ما يتيح للسياحة أن تتنوع بين الثقافية والتاريخية والإنسانية، لتجعل مقبرة العناني جزءًا حيًا من تاريخ المدينة الغني، يحكي قصة أسوان على مر العصور.

تقف قباب "العناني" الطينية بانحناءاتها الانسيابية كأصدافٍ تاريخية نبتت من قلب الأرض، لترسم لوحةً بصرية تمزج بين عراقة البناء الفاطمي وبساطة الطوب اللبن الذي صمد لقرون، ويتسلل الإهمال يومًا يلو الآخر على جانبي أسوارها.