بين ضفاف النيل القديمة، حيث كانت القرى النوبية تمتد على حافة الماء وتتشبث بالجبل والرمال، كان لرمضان طعم مختلف، لم تكن أصوات السيارات ولا أضواء المدن تقتحم سكون الليل، بل كان الأذان وحده يشق الصمت معلنًا نهاية يوم الصيام.
في النوبة قديمًا كانت البيوت الطينية تستعد للشهر الكريم بروح جماعية، وتتحول الأزقة الضيقة إلى مساحة للفرح واللمة، وتخرج صواني الطعام من البيوت لتلتقي في الشوارع، حيث تفوح رائحة الطعام والمشروبات التي تكشف عن عادات أهل النوبة في ذلك الشهر.

رمضان النوبة قبل التهجير
لكن تلك الصورة لم تبقَ كما هي، فقد غيّر تهجير النوبيين خلال حقبة الستينيات تزامنًا مع بناء السد العالي بين 1960 وافتتاحه في 1971 ملامح الحياة النوبية، وانتقلت معه تفاصيل كثيرة من طقوس رمضان، حيث تعرف النوبيون على مظاهر جديدة لم تكن مألوفة من قبل، مثل مدفع الإفطار، وبين ما كان وما صار بقيت الذاكرة شاهدة على رمضان مختلف عاشه النوبيون قبل التهجير.
يستعيد مصطفى بسري، 77 عامًا، أحد سكان منطقة الخزان، تلك الذكريات قبل التهجير إذ ترك منزله وهو في السادسة عشرة من عمره، لكن ذاكرته ما تزال تحتفظ بتفاصيل الحياة بين ضفاف النيل، خاصة أجواء استقبال شهر رمضان: "الاستعداد للشهر الفضيل كان يبدأ مبكرًا مع حلول شهري رجب وشعبان، حين تنشغل البيوت بالتحضير وكأن القرية كلها تتهيأ لقدوم رمضان".

يضيف: "في تلك الأيام، كانت البيوت تتحول إلى ورش عمل لا تهدأ، يطلي الأهالي الجدران بالجير والألوان الزاهية، وتتزين الشوارع، وكانت صواني الطعام تخرج بأطباق الخوص الملونة، ليتشارك الجميع وجبة الإفطار في قلب الشارع".
يقيم مصطفى حاليًا في نجع الطيباب بمنطقة الكرور جنوب مدينة أسوان، بعد رحلة تهجير خاضها مع أسرته، تاركًا خلفه دياره وذكريات رمضان.
ويسترجع مصطفى في حديثه لـ"عين الأسواني" واحدة من العادات وقتها، موضحًا أن المشروبات النوبية الرمضانية كانت أشبه بصيدلية طبيعية. كان هناك مشروب "الأبريق"، المصنوع من الذرة المخمرة والمطهو بعناية على الدوكة "الصاج الحديدي"، إلى جانب "الحلو مر" المصنوع من الزنجبيل والقرفة والقرنفل، وهو مشروب يمنح المعدة راحة بعد صيام طويل، فضلًا عن مديدة التمر هندي.
كانت تلك المائدة تنتظر صوت الأذان، الذي كان الوسيلة الأساسية لإعلان موعد الإفطار في ذلك الوقت، قبل أن تعرف حياة النوبيين طلقات مدفع الإفطار بمرور الوقت.

موعد الإفطار
تتفق الروايات على أن القاهرة كانت بداية عادة إطلاق مدفع الإفطار، إذ بدأت بالصدفة عام 865 هـ في عهد السلطان المملوكي "خشقدم". وخلال تجربة مدفع جديد -كان مخصصًا للحرب- وقت الغروب، ظن الأهالي أنها إشارة سلطانية مبتكرة للإفطار، فخرجوا يشكرونه على تلك البدعة، فقرر السلطان استمرارها يوميًا لتصبح لاحقًا أحد الطقوس الرمضانية المعروفة، لكن في بلاد النوبة القديمة، لم يكن المدفع معروفًا.
يقول منتصر جرفي، الباحث في التراث النوبي، لـ"عين الأسواني"، إن طقوس الإعلان عن موعد الإفطار قديمًا لم تكن تعتمد على المدفع في بلاد النوبة الأصلية. ويوضح: "كان الناس يعتمدون بشكل أساسي على صوت الأذان، وفي النجوع التي لم تكن تضم مساجد، كان الرجال يخصصون مصلى يُرفع فيه أحدهم الأذان ليعلم الجميع بموعد الإفطار".
ويضيف "جرفي" أن الاعتماد كان أيضًا على مراقبة حركة الشمس كوسيلة حيوية لمعرفة المواقيت في ظل ندرة الساعات.

ويتفق معه مصطفى بسري أن الثقة كانت المحرك الأساسي في تنظيم هذه العادة، إذ كان أهل القرية يأتمنون أشخاصًا بعينهم في كل نجع لرفع الأذان، أمثال "دهب شلبي" و"أحمد شلبي". ويشير إلى أن بعض أهالي القرية كانوا يمتلكون ساعات يد، خاصة ممن كانوا يعملون خارج مصر، وكانت هذه الساعات تمثل آنذاك بوصلة لمعرفة موعد الإفطار.
رمضان جديد
يروي مصطفى أن التحول الجذري في علاقة النوبيين بمدفع الإفطار جاء مع رحلة التهجير إلى مدينة أسوان في مطلع الستينيات. ويشير إلى أن أول عهد للنوبيين بالمدفع كان عند حديقة فريال جنوب كورنيش النيل، حيث تسبب صوته في البداية بحالة من الخوف لدى الأطفال، الذين ظنوا أنه دليل على حدوث أمر سيئ.
قبل أن يتحول هذا الخوف تدريجيًا إلى علامة يومية مرتبطة ببهجة الصيام، ويؤكد منتصر جرفي هذه الرواية، موضحًا أن المدفع أصبح لاحقًا جزءًا من ملامح رمضان في أسوان.

ورغم التغيرات التي فرضتها الحياة الجديدة بعد التهجير، يرى "جرفي" أن كثيرًا من العادات الغذائية والروحية لم تتبدل كثيرًا حتى اليوم، فما زالت اللمة في الشوارع تمثل الطقس الأبرز في رمضان لدى النوبيين، مع دخول بعض الإضافات البسيطة على المائدة، التي ما زالت تحتفظ بروحها القديمة.