عمر بن رمضان، كما يحب أن يصيغ اسمه، طالب بالصف الثالث الثانوي في السابعة عشر من عمره، من قرية إقليت التابعة لمركز كوم أمبو بمحافظة أسوان، يدرس بمعهد "بنين كوم أمبو النموذجي الأزهري". في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الأخيرة لعام 2026، شارك بروايته "أهازيج تشعر بالعزلة" الصادرة عن دار "ببلومانيا" للنشر والتوزيع بالقاهرة، وكانت له تجارب سابقة في الكتابة والنشر.
تحدث مع "عين الأسواني" عن تجربته في نشر هذه الرواية، وفكرتها الأساسية وبدايته مع الكتابة، واهتمامه بالقراءة، وتجاربه السابقة ودعم المحيطين.
ارتباط مبكّر بالكتاب
ارتبط عمر بالكتاب منذ صغره، وكانت القراءة بالنسبة له أكثر من مجرّد هواية، بل اعتبرها أسلوب حياةٍ وطريقًا لبناء الذات وصقل الفكر.
بدأت رحلته معها قبل سنوات، حينما كان في الصف الأول الإعدادي، من خلال مشاركته في مسابقة "المشروع الوطني للقراءة"، ثم توالت مشاركاته في مسابقات القراءة مثل مسابقة "تحدي القراءة العربي". وفي سبتمبر 2025 فاز بالمركز الأول في مسابقة "المشروع الوطني للقراءة" في نسختها الرابعة، فئة "الطالب المثقف".
بين الكتابة والدراسة
أول التحديات التي واجهت عمر كان كيفية الموازنة بين الكتابة والقراءة من ناحية والدراسة من ناحية أخرى، كان هذا الأمر صعبًا بالنسبة له في البداية، خاصةً أنه كان في المرحلة الثانوية، التي تتطلّب قدرًا كبيرًا من التركيز، إلا أنّه تغلّب عليه بتنظيم وقته جيّدًا، لكي يستطيع الإنجاز في الكتابة.
وبخصوص روايته الصادرة مؤخرًا، فقد خصّص جزءًا من إجازة الفصل الدراسي الأول، في العام الماضي 2025، للعمل عليها بشكلٍ مكثف. كانت فكرة الرواية موجودة في ذهنه منذ زمن طويل، وعلى مدار عامٍ كامل، ظلّ يكتب فيها ويعدّل مرة بعد أخرى، مستمرًّا في تطويرها، حتى تخرج بالشكل الذي أراده.
البحث عن دار نشر
أما التحدّي التالي الذي واجهه، فكان متعلّقًا بدور النشر، إذ كان من الصعب أن يجد دار نشرٍ تتوافر فيها المواصفات التي يبحث عنها، سواء من حيث جودة الطباعة، أو التكلفة. وبخصوص النقطة الأخيرة، لم يجد دار عُمر نشر تتكفل بجميع نفقات الطباعة، لذلك اضطُّر في النهاية إلى طباعة الرواية على نفقته الخاصّة.
كان عليه أن يجد دار نشر موثوقة يضع فيها ماله، مثل تكلفة طباعة يتحمّلها الكاتب بلغت ثلاثة عشر ألفًا وخمسمائة جنيه تقريبًا، ويثق أيضا أنها سوف تطبع الرواية بالشكل اللائق.
في مرحلة البحث عن دار نشرٍ مناسبة، تواصل عُمر مع ما يقرب من 12 أو 13 دار نشر، كان يبحث باستمرار عبر الإنترنت ليصل إلى أفضل دار نشر يمكن أن يتعاون معها.
غرفة تخص "الكاتب" وحده
يرى عُمر أن الكتابة بحد ذاتها لا تُعتبر تحديًا حقيقيًا لمن يريد أن يكتب بصدق، لكن التحدي الأكبر أن يجد الكاتب مكانًا هادئًا أو مكتبًا مناسبًا يستطيع أن يجلس فيه ليكتب ويُخرج أفكاره إلى النور.
في أحد المعارض التي نظمتها مشيخة الأزهر الشريف بمحافظة الأقصر عام 2023، وكان معرضًا مخًصّصًا لأعمال الطلاب في المراحل الدراسية المختلفة، في مجالات الكتابة والرسم والإلكترونيات، كانت بداية عمر "الفعلية" في مجال الكتابة، حين طلبت منه مدرسة التربية الفنية أن يشارك بعملٍ كتابيٍّ في هذا المعرض، وبالفعل كتب قصة قصيرة، طُبعت ورقيًّا، كما جرى تكعيبها، وقد حضر عُمر المعرض وكان من بين من تسلّموا شهادة تقدير.
في ذلك الوقت لم يكن عُمر يكتب كثيرًا، لكن كانت لديه كراسة يحتفظ فيها بعددٍ من القصص القصيرة التي كتبها.
محاولة أولى وثانية وثالثة للكتابة
بعد مرور عام تقريبًا، قرر أن يكتب روايةً كاملة، وبدأ بالفعل في كتابتها، وقد تجاوز عدد صفحاتها 300 صفحة، لكنّها لم تكن مهيّأة للنشر بالدرجة الكافية، وكانت هذه الرواية تتناول موضوع غزة، وتعكس قدر تأثّره بالحدث المستمر وقتها.
وبعد ذلك كتب روايةً بعنوان "الريح الشمالي"، ضمن مشاركته في أنشطة "مكتب الأزهر لدعم الابتكار وريادة الأعمال"، لكن طباعتها كانت أيضًا على حسابه الشخصي.
أمّا الرواية الحالية "أهازيج تشعر بالعزلة"، الصادرة عن دار "ببلومانيا للنشر والتوزيع" فهي أقل حجمًا من الرواية الأولى، شارك بها بمعرض القاهرة الدولى للكتاب 2026، كما عُرضت قبله بمعرض جدة الدولي للكتاب 2025، وبمعرض الجزائر الدولي للكتاب 2025. ويعتبر عُمر هذه الرواية محطّةً مهمةً له ككاتب.
من أسوان إلى معرض الكتاب 2026
ومن الأمور التي كان لها دورٌ في تطوّر عُمر على مستوى الكتابة، مشاركته في "المصطبة"، وهي ورشة أدبية للقصة يديرها القاص ياسر سليمان بمكتبة الطفل والشباب بدراو في أسوان، بمشاركة مجموعةٍ من الكتّاب، حيث استمرّ انتظامه بها قرابة سنة أو أكثر، وساعده ذلك في تطوير أسلوبه، لأن معظم المشاركين فيها لديهم كتبٌ مطبوعة أو أعمالٌ أدبية منشورة، وقد نظمت "الورشة" مناقشةً لروايته قبل الطباعة، وكان الكتّاب المشاركون يُبدون ملاحظاتهم ويقترحون تعديلاتٍ ساعدته كثيرًا في تحسين العمل.
ما يدفع عُمر إلى الاستمرار في الكتابة هو الشغف أولًا، والشعور بأن لديه رسالةً يريد أن يوصلها، وهذا هو الهدف الأساسي من الكتابة بالنسبة له.
نشأته في بيئةٍ قروية، جعلته يختار أن يكون المكان الذي تقع فيه أحداث الرواية في قرية، أما موضوعها فهي تتناول ظاهرة موجودة في كل مكان، وهي ظاهرة الجنون.
الجنون.. الفكرة الأساسية للرواية
خطر بباله أننا كثيرًا ما نرى المجنون، لكننا لا نعلم ماذا يريد؟ أو كيف يفكر؟، ومن هنا استوحى الفكرة الأساسية للرواية. ليس الأمر مرتبطًا بحدثٍ معين أو شخصية موجودة بالفعل في القرية، لكن محاولة الربط بين الواقع والخيال. لم يقم عُمر بدراسةٍ بحثيةٍ متخصصة حول الجنون، لكن فكرة أننا لا نفهم المجنون كانت الخطوة الأولى التي انطلقت منها الرواية.

دعم الوالد
تلقّى عُمر دعمًا من جميع أفراد عائلته، لكن يذكر والده الذي كان له النصيب الأكبر في هذا الدعم، إذ كان يناقشه في الأفكار التي تدور في ذهنه، ويستفسر منه، وكانت المناقشات بينهم تولّد أفكارًا ونتائج جديدة، فكان هذا من أهم أساليب الدعم التي أثّرت فيه.
ما يمكن أن يقوله عُمر للكتّاب المبتدئين، أن يُدوّن الكاتب قضية يؤمن بها، وأن تكون هذه القضية جزءًا من شغفه واهتماماته في الحياة، لأن الكتابة عن قضية تعني قراءةً عنها والبحث فيها، لكنّ النصيحة الأهم بالنسبة له هي الإكثار من القراءة، إلى جانب كثرة الكتابة والممارسة المستمرة لها، لأن الكتابة مهارةً تنمو بالتدريب الدائم، على حد قوله.