في اليوم العالمي للعمل الخيري..  شباب أسوان يصنعون الأمل بالتطوع

متطوعو الخير

كتب/ت فاطمة محمد
2025-09-06 17:00:05

رغم اختلاف قصصهم ودوافعهم، اجتمعوا على هدف واحد، وهو نشر الخير وسط مجتمع يحتاج دومًا إلى من يسانده، ليصبحوا اليد التي تمتد وقت الضيق، وهم المتطوعون الذين اختاروا أن يجعلوا من وقتهم وجهدهم وسيلة لإحداث فرق حقيقي في حياة الآخرين.

وفي اليوم العالمي للعمل الخيري الذي حل غدًا الجمعة 5 سبتمبر، تبرز قصص هؤلاء كدليل حي على أن العطاء ليس فعلًا عابرًا، بل مسيرة ممتدة تتوارثها القلوب المحبة للخير، وتُسرد "عين الأسواني" في هذا التقرير حكايات المتطوعين من زوايا مختلفة، تكشف دوافعهم، وتضيء أثر جهودهم في حياة من حولهم.

محمود بهاء الدين..  رحلة بدأت من البيت

من قلب كوم أمبو، تبرز قصة محمود بهاء الدين، شاب عشريني، يحمل تجربة تمتد لعقد كامل في مجال العمل الخيري، بدأت معه وهو في الصف الثاني الإعدادي، حين كان يسير بجوار والده، قدوته الأولى، يراقبه وهو يوزع الطعام ويساهم في بناء المساجد ويدعم الأسر البسيطة. 

يقول محمود عن تلك المرحلة: "نشأت وأنا أرى والدي منخرطًا في مؤسسات وجمعيات خيرية، فكنت أرافقه وأتعلم أن العطاء ليس نشاطًا عابرًا، بل هو جزء أصيل من هويتنا".

من هنا انغمس بهاء في العمل الخيري، وتعددت جهوده بين توزيع الحقائب الغذائية، وبناء أسقف البيوت، وتوفير المستلزمات المدرسية، حتى جاء رمضان 2023 ليكون نقطة تحول في مساره، حين أسس فريقه التطوعي "المعمرون" تحت شعار "رحلة خير لا تنتهي". 

يصف هذه الخطوة بأنها انتقال من العمل الفردي إلى الإطار الجماعي المنظم، حيث يتشارك الشباب المسؤولية ويكتسبون معًا قيمة العمل بروح الفريق.

يرى محمود أن العمل الخيري مزيج من الشغف الإنساني والواجب المجتمعي، ويعتبر التطوع وسيلته لترك أثر باقٍ رغم قِصر العمر: "نحن عابرون على هذه الأرض، وكلها فترة وسأرحل، لكنني أريد أن أكون وسيلة يستفيد منها المحتاجون".

إنجي عبدالرحيم.. مطبخ الأمل

وكما كان والد بهاء هو البوابة الأولى التي فتحت أمامه طريق العمل الخيري، كانت والدة إنجي عبدالرحيم هي الجذر الأول الذي غرس في نفسها حب العطاء منذ طفولتها، ومن قلب منطقة كيما، تروي إنجي، 25 عامًا، كيف بدأت رحلتها مع والدتها وهي في التاسعة، تشاركها جمع التبرعات وتوزيعها على المحتاجين. 

ومنذ ذلك الحين، أصبح الخير جزءًا أصيلًا من حياتها، حتى بات التطوع بالنسبة لها مرادفًا للراحة والسكينة، تقول: "حين أبتعد عن العمل التطوعي أشعر أن هناك شيئًا ينقصني، ولا أستعيد توازني إلا بخدمة الآخرين".

من المواقف التي تركت أثرًا عميقًا في قلبها، أنها وزّعت وجبة طعام على سيدة مسنّة تعيش وحدها بلا ماء ولا كهرباء، ولم تملك إنجي وقتها سوى الطعام، لكنها فوجئت بعد أيام باتصال من أحد المتبرعين يرغب في التبرع بثمن وصلة مياه، سارعت لتركيبها، ثم تكفلت بتوصيل الكهرباء للمنزل: "فرحتي وقتها ربما فاقت فرحتها هي، فقد أيقنت أن خطوة بسيطة قد تغير حياة كاملة".

لم تتوقف إنجي عند التوزيع، بل حوّلت في عام 2021 بيتًا صغيرًا مهجورًا إلى مطبخ تطهو فيه وجبات توزّعها دوريًا على الأسر، ومع مرور الوقت، صار هذا المكان رمزًا لفكرة أن أي شخص يمكن أن يحوّل محيطه المحدود إلى مساحة واسعة للعطاء: "العمل التطوعي عرّفني على مناطق في أسوان لم أكن أعرفها، وعلّمني أن حب الناس ودعم الشباب على خوض التجربة هو سر الاطمئنان الداخلي".

محمد أشرف.. صوت يكبر مع الخير

يتشارك معها في نفس الشعور، محمد أشرف، 19 عامًا، في منطقة الصداقة الجديدة بأسوان، متطوع بدأ طريقه الذي اختاره منذ ثلاث سنوات، عبر مشاركته في مبادرات تطوعية فردية بسيطة، قبل أن يدرك أن العمل الخيري يحتاج إلى كيان منظم يضمن استمراريته، فكانت انطلاقته مع فريق "فرسان" التطوعي الذي تأسس في رمضان 2024، وجمع شبابًا من خلفيات مختلفة تحت هدف واحد وهو مد يد العون لمن يحتاج.

يقول محمد: "العمل الخيري لا يساعد المحتاجين فقط، بل يعلّم المجتمع كله معنى المشاركة والتكافل"، ويستعيد موقفًا ترك بصمة بداخله: "في رمضان الماضي، وزعنا وجبات على الأسر، وقالت لي إحدى الأمهات أهم شيء أنني لن أقلق الليلة على أطفالي وقتها شعرت أن ما نفعله أكبر من مجرد وجبة".

تلك التجربة لم تترك أثرها على المستفيدين فقط، بل شكّلت شخصية محمد، فعلمته الصبر والتنظيم، ومنحته قناعة راسخة بأن التغيير يبدأ بفرد، ثم يكبر ليصبح فريقًا وصوتًا مؤثرًا، ورغم ما يواجهونه من تحديات مثل قلة الإمكانات وكثرة الاحتياجات، فإن روح الفريق تظل المحرك الأساسي للاستمرار.

يختم محمد رسالته قائلاً: "كل إنسان قادر على أن يبدأ بخطوة بسيطة، فلا يوجد عمل صغير في الخير، وكل جهد مهما كان يترك أثره".

تتلاقى مسارات محمود ومحمد وإنجي عند محطات متشابهة؛ فالبداية كانت من دفء الأسرة، ثم جاءت التحديات التي صقلت تجربة العمل الخيري، ومع مرور الوقت، اكتشفوا أن التطوع ليس مجرد خدمة يقدمونها للآخرين، بل رحلة تمنحهم هم أنفسهم المعنى والسكينة.