"بمبي".. مبادرة تكسر حاجز الصمت عن الدورة الشهرية في الصعيد 

تصوير: أمنية حسن - مبادرة بمبي

كتب/ت أمنية حسن
2025-05-19 13:16:03

في جنوب مصر، حيث لا تزال بعض القضايا النسائية يُحجب الحديث عنها بحجة التقاليد، قررت أروى عبدالعزيز، 26 عامًا، أن تفتح نقاشًا كان يُعتبر ممنوعًا في كثير من القرى والمدن. بصوت قوي وواضح، تحدّت التقاليد لتسلط الضوء على معاناة الفتيات مع آلام الدورة الشهرية، متصدية للمفاهيم التقليدية التي تُنكر هذه المشكلة الصحية. 

أطلقت أروى، التي تخرجت في كلية العلوم والتربية، قبل عام ونصف مبادرة "بمبي" من تجربتها الشخصية رفقة أربعة من زملائها، لتكون صوتًا داعمًا للفتيات في أسوان خلال فترة الدورة الشهرية، والتغيرات النفسية والجسدية التي تحدث للفتيات وتأثير البيئة الجغرافية عليهن.

واحدة من كل خمس فتيات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تفتقر إلى المعلومات الأساسية حول الدورة الشهرية، وفق استطلاع أجرته منصة U-Report التابعة لليونيسف في عام 2024، كما أظهرت النتائج أن نحو 30% من الفتيات يتغيبن عن المدرسة كليًا أو جزئيًا خلال فترة الحيض، مما يبرز الحاجة الماسة لمبادرات مثل "بمبي" التي تسعى إلى توفير الدعم والمعلومات للفتيات في مختلف المناطق.

وخلال فترة انعقاد الدورة التاسعة من مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة، الأسبوع الماضي، فازت مبادرتان في مجال دعم قضايا المرأة ضمن مسابقة نظمها المهرجان، حيث حصلت مبادرة "بمبي" على المركز الثاني خلال ندوة نقاشية أُعلن فيها عن أسماء الفائزين، وتلقت المبادرة دعمًا ماليًا ودعمًا من المهرجان لمواصلة نشاطها.

بداية المبادرة

بدأت فكرة المبادرة عندما كانت أروى تؤدي فترة الخدمة العامة بعد تخرجها. في أحد الأيام، شعرت بآلام الدورة الشهرية، فقررت طلب المغادرة، لكن رد الموظفة كان صادمًا بالنسبة لها، حيث قالت: "إنتِ بتتدلعي، كل البنات عندهم كده". 

ورغم أن عائلة أروى كانت دائمًا أكثر وعيًا وحرصًا على تقديم الدعم لها خلال هذه الفترة من الشهر، إلا أن هذا الموقف دفعها للتفكير في حال الفتيات الأخريات اللواتي لا يملكن دعمًا عائليًا أو لا يستطعن التعبير عن معاناتهن، ويضطررن إلى الاستمرار في أداء مهامهن اليومية سواء في المنزل أو خارجه رغم الألم الشديد الذي يشعرن به.

تتذكر أروى معاناة النساء النازحات، مثل الفلسطينيات اللواتي يعيشن في الخيام، حيث لا تتوفر لهن أبسط الاحتياجات الأساسية مثل الفوط الصحية:: "كل بنت من حقها أن تعبر عن ألمها بدون خجل، ومن غير أن يقلل الآخرين من إحساسها، وهو ما دفعني لإطلاق المبادرة بهدف التوعية بحقوق الفتيات في التعبير عن معاناتهن بحرية ودون خجل".

أما عن اختيار اسم "بمبي"، جاء بعد تفكير طويل في العديد من الأسماء، بحسب أروى، فلم يكن عشوائيًا بل مقصودًا: اسم بمبي يعكس كل ما يتعلق بالفتاة من الخارج بلونٍ زهري، لكن خلف هذا اللون المشرق تكمن مأساة اجتماعية ووصمة صمت مفروضة على كل ما يتعلق بالدورة الشهرية، مما يعكس الفجوة بين الصورة السطحية والتجربة الحقيقية التي تعيشها الفتيات".

من المنيا إلى غرب سهيل

انطلقت مبادرة "بمبي" من رحم  مشروع "سند"، ضمن مؤسسة مصريتي تحت رعاية جمعية صناع السلام، بهدف إلى تمكين الشباب وتنمية قدراتهم في محافظات الجنوب، حيث وجدت أروى في هذا المشروع مساحة مناسبة لطرح فكرتها، وبدأت أولى خطواتها من خلال ورشة تدريبية في محافظة المنيا. 

هناك، طرحت أروى رؤيتها حول المبادرة أمام مجموعة من المشاركين، لكن ردود الفعل الأولية لم تكن مشجعة، إذ ساد التردد والحرج على بعض الحضور بسبب حساسية الموضوع المرتبط بالدورة الشهرية.

تقول: "لم أتراجع أمام هذا الصمت المبدئي، بل اخترت الجلوس مع المشاركين وفتح نقاشات صريحة معهم، وأحاول كسر الحواجز النفسية والاجتماعية المحيطة بالموضوع، وأقنعتهم تدريجيًا بأن الحديث عن قضايا الفتيات ليس خجلًا بل ضرورة، وأن السكوت هو ما يُبقي هذه المعاناة في الظل".

عقب ذلك، اكتمل الفريق بانضمام أربعة أعضاء هم: إسراء، وعبدالرحمن، وإبراهيم، وكريمة، من أبناء أسوان، يتمتعون بخلفيات علمية ومهنية متنوعة. وبعد الانتهاء من الاستعدادات، أُطلِقت مبادرة "بمبي" بشكل رسمي، حيث تولّى كل منهم دورًا محددًا؛ من بينهم مسؤول مالي، وآخر لوجستي، وثالث مختص بالعلاقات العامة، وقد أُسندت إلى كل فرد مهام واضحة لضمان سير المبادرة بشكل منظم وفعّال.

ولم يقتصر نشاط الفريق على العمل الإداري أو التوعوي التقليدي، بل اختاروا أدوات جديدة أكثر جذبًا، مثل استخدام الموسيقى، والغناء، والألعاب التفاعلية، لتوصيل رسائلهم بطريقة مبتكرة وغير مباشرة تُشعر الفتيات بالراحة: "بدأت أولى الخطوات الميدانية من مكتبة مصر العامة، وانتقلت إلى قرية غرب سهيل، مسقط رأسي لتكون نقطة انطلاق حقيقية تلامس بيئة المبادرة الثقافية والاجتماعية".

تعتمد "بمبي" على منهجية تثقيفية وبحثية متكاملة، حيث تواصل الفريق مع أطباء متخصصين في طب النسا، والاطلاع على مواد علمية وفيديوهات توعوية وأبحاث متعلقة بالصحة الإنجابية والجنسية: "نسقنا مع جمعيات ومبادرات لها خبرة في العمل المجتمعي مثل "جنوبية حرة" و"ياء الملكية"، بهدف الاستفادة من تجاربهم السابقة وتعزيز بنية المبادرة بالمعرفة والممارسات الجيدة".

من الخجل إلى الثقة

تركز مبادرة "بمبي" جهودها على الفتيات في الفئة العمرية من 12 إلى 20 عامًا، باعتبارهن الأكثر حاجة للفهم والدعم في هذه المرحلة الحساسة، إلى جانب الأمهات اللواتي لديهن فتيات في هذا العمر، لما لهن من دور محوري في تقديم التوعية والمساندة. 

تؤكد أروى أن الهدف الأساسي هو تمكين الفتيات من فهم أجسادهن وتغيراتهن النفسية والجسدية، ليصبحن قادرات أيضًا على شرح هذه التغيرات لمن حولهن، خصوصًا الذكور من الأقارب أو الزملاء، تمهيدًا لتنظيم جلسات مستقبلية تشمل الذكور ضمن نطاق التوعية الأوسع.

وعلى الأرض، نظّمت المبادرة تدريبات توعوية ميدانية في مناطق مثل قرية غرب سهيل ومكتبة مصر العامة بأسوان، وهناك لاقت أروى نفس ردود الفعل المترددة التي لاقتها حين عرضت فكرة المبادرة لأول مرة بالمنيا.

لكن مع مرور الوقت، بدأت الثقة تُبنى تدريجيًا، خاصة بعد أن انضمت إحدى الفتيات من نفس القرية إلى فريق العمل: "ساهم ذلك في خلق نوع من الألفة بين الفريق والمشاركات، كما كان لوالدة هذه الفتاة دور كبير في استقطاب الأمهات والفتيات للمشاركة، ما ساعد في كسر الحاجز الأول".

تصف أروى هذا التحول بقولها: "بمجرد ما حسّوا إننا مش جايين نفرض حاجة، وإننا واحد منهم، بدأوا يسألونا ويسيبوا لنا استفساراتهم، وده كان مؤشر إننا على الطريق الصح"، هذا التفاعل الإيجابي شكّل نقطة انطلاق قوية عززت إيمان الفريق بأهمية الاستمرار وتوسيع المبادرة لتشمل شرائح أكبر من المجتمع.

تطمح أروى إلى تطوير مبادرة "بمبي" من نطاق محلي محدود إلى برنامج وطني واسع النطاق، يصل إلى عدد أكبر من الفتيات ويغطي مناطق جديدة داخل مصر: "أتمنى توسيع نطاق المبادرة، لتشمل جانبًا عمليًا يتمثل في توفير الفوط الصحية مجانًا للفتيات غير القادرات، لأن التوعية وحدها لا تكفي ما لم يصاحبها دعم مادي ملموس يلبي الاحتياجات الأساسية".

مبادرة بمبي