محمد صالح حرب ..وزير الحربية الجنوبي "اللي قتل يس" 

صورة ارشيفية

كتب/ت إسراء عبد المنعم
2025-04-20 06:21:16

من قلب أسوان، تلك المدينة الواقعة على ضفاف النيل بعبقها التاريخي وعراقتها الضاربة، خرج محمد صالح حرب ليخط اسمه في صفحات المجد الوطني، ولد في عام 1889، بـ جزيرة الحربياب بمركز دراو فى  شمال أسوان، حفظ القرآن طفلا قبل أن يلتحق بمدرسة أسوان الابتدائية، و تزامل هناك مع المفكر العملاق عباس محمود العقاد فى  فصل واحد، والتحق بعد ذلك، بمدرسة خفر السواحل، وتخرج فيها عام 1903 برتبة ملازم ثان،  ونشأ وسط مجتمع جنوبي يقدس القيم التقليدية كـ الكرامة، الشجاعة، والانتماء للأرض، نشأته المبكرة في بيئة تُمجد البطولة رسخت فيه منذ الصغر روح التمرد على الظلم والاحتلال، وهي الروح التي ترافقه طيلة حياته.

منذ شبابه، أدرك محمد صالح حرب أن قوة السلاح قد تكون وسيلة لاسترداد الحقوق، التحق بالكلية الحربية، حيث برز بتفوقه العسكري، وتميز بقدرة تحليلية حادة، مكنته من شغل مناصب متقدمة مبكرًا. لم يكن مجرد ضابط، بل كان يؤمن أن الجندية الحقة ترتكز على فكرة وطنية سامية، تتجاوز الالتزام بالتعليمات إلى الالتزام بقضية التحرير الوطني.

مع اندلاع ثورة 1919، أدرك حرب أن دوره يتعدى الحدود العسكرية، فانخرط في العمل الثوري والسياسي، مسخّرًا خبراته العسكرية لدعم الحركة الوطنية بقيادة سعد زغلول، وكان حلقة وصل حساسة بين الضباط الأحرار والحراك الشعبي، يسهم في تزويد الثوار بالتكتيكات العسكرية والخطط التنظيمية لمواجهة الاحتلال البريطاني.

 

الدور الثوري

لم يكن محمد صالح حرب مجرد داعم صامت للثورة، بل كان في طليعة الأحداث، يسعى بكل قوة لحشد التأييد الشعبي والرسمي لقضية الاستقلال، في وقتٍ كانت أغلب النخب الحاكمة تميل للمساومة، كان حرب صوتًا عنيدًا يطالب بالاستقلال الكامل، دون قيد أو شرط.

تميزت شخصيته بـ الصلابة والجرأة في اتخاذ المواقف، ورفض سياسة "الخطوة خطوة" التي كان البعض يروج لها آنذاك. اعتبر أن الاحتلال لا يرحل إلا بالقوة، سواء كانت قوة السلاح أو وحدة الصف الوطني.

بين القيادة والرسالة

في مرحلة لاحقة، تولى محمد صالح حرب منصب وزير الحربية، وهو المنصب الذي استغله لتعزيز قضايا التحرر الوطني، داخليًا وخارجيًا، كان من أشد المؤيدين للوحدة مع السودان، مؤمنًا أن مصير مصر لا ينفصل عن مصير وادي النيل بأكمله.

خلال توليه الوزارة، دعم حركات المقاومة المسلحة ضد الاحتلال البريطاني، وسعى لتطوير قدرات الجيش المصري رغم الضغوط الدولية الهائلة، كما كان مدافعًا شرسًا عن تعريب القيادات العسكرية التي كانت وقتها تحت تأثير النفوذ البريطاني، محاولًا إعادة الهيبة الوطنية للجيش المصري.

 

الشقيق الجنوبي

كان لحرب دور بالغ الأهمية في دعم الحركة الوطنية السودانية اعتبر أن تحرير السودان مسألة مبدأ، وليس مجرد ملف سياسي دافع عن وحدة وادي النيل في المحافل السياسية، وعمل على تقديم الدعم اللوجستي والسياسي للزعماء السودانيين المناهضين للهيمنة البريطانية.

لم يكن يرى السودان مجرد امتداد جغرافي، بل شقيقًا في الدم والمصير ولهذا سُجل في الذاكرة الوطنية كأحد أوائل السياسيين الذين آمنوا بوحدة مصر والسودان ككيان واحد في مواجهة الاستعمار.

الواقعية الصلبة

رغم خلفيته العسكرية، اتسم فكر محمد صالح حرب بواقعية سياسية مدهشة كان يعي حدود القوة وأهمية السياسة، فآمن بضرورة التفاوض حين يخدم مصلحة الوطن، واللجوء للمواجهة حين لا يجدي غيرها رفض حرب أي تسويات تنتقص من السيادة الوطنية، وكان له موقف حازم ضد محاولات بريطانيا فرض وصاية دائمة على مصر تحت ستار المعاهدات.

 فى حواره لمجلة آخر ساعة، عدد 1640، الصادر فى 30 مارس، مثل هذا اليوم، 1966.

يابهية وخبريني

كشف "حرب"  فى حوار أجرته مجلة آخر ساعة، في عددها 1640، الصادر فى 30 مارس 1966، تفاصيل الحقيقية لشخصية "يس"، الأسطورة الشعبية، الذي تحول لأغنية شهيرة تحمل اسم  "يا بهية وخبرينى/ ع اللى قتل يس".

ونشرت صحيفة اليوم السابع على موقعها الاليكتروني، جزء من نص حوار "حرب" مع "آخر ساع"، والذي قال فيه: 

"كان يس من أكبر مجرمى الصعيد، وضاقت وزارة الداخلية ذرعا بجرائمه، ويئست من القبض عليه"، وفي عام 1902 كنت ضابطًا فى حدود خفر السواحل برتبة ملازم ثان، وانتدب من سلاح الهجانة إلى وادى حلفا لشراء جمال، وكان معي شخصان ودليل طريق، وبينما نحن نسير بين جبلين إذا "بالأومباشى" يلهب هجينه بالسوط، ويقول: يا فندم أنا شفت واحد عربى نايم على بطنه وفى إيده بندقية فى المغارة هناك ".

وبدأت المواجهة بين "حرب" و"يس" بإطلاق النيران، وأصيب "يس" ، يقول "حرب" في  حواره: "انتفض جسد الشقى فجأة وارتفع فى الهواء وهو يجرى كالذئب ثم وقع على الأرض، وظل يدور حول نفسه مثيرا للغبار والرمال، وتوقف كل شىء بعدها، والجسد ملقى بلا حراك".

وذكر تقرير اليوم السابع أن"حرب" عاد إلى القاهرة، ليجد خطاب شكر أمامه من وزارة الداخلية، وعشرين جنيها مكافأة له وللقوة التى كانت معه، ولم تمض أيام حتى نظم أحد أبناء الصعيد أغنية لم تلبث أن رددها الشعب، وهى: «يا بهية خبرينى/ على اللى جتل ياسين/ جتلوه السود عيونى/ من فوق ظهر الهجين».

السنوات الأخيرة

مع تقدم العمر، ظل محمد صالح حرب وفيًا لمبادئه الأولى رغم تراجع تأثيره السياسي بعد حقبة الأربعينيات، ظل حاضرًا في المشهد الوطني، مشاركًا بنصائحه وتحليلاته، ومتابعًا بدقة تحولات القضية الوطنية.

شهد حرب نكسة عام 1967 قبيل وفاته، وكانت مأساة ضياع سيناء من الأحداث التي قصمت قلبه الوطني، إذ رحل عن عالمنا في 20 أبريل 1967، تاركًا وراءه إرثًا وطنيًا فريدًا من العطاء غير المشروط لمصر.

كرمت محافظة أسوان "حرب" من خلال إقامة تمثال خاص له ضمن مشروع التطوير الحضارى بحديقة درة النيل بكورنيش أسوان، الذى يطول أغلب شوارع وميادين وأسواق أسوان بتكلفة تبلغ نحو 270 مليون جنيه، تحت إشراف مباشر تا محافظها السابق اللواء أشرف عطية. 

يُعد محمد صالح حرب أحد الرموز التي علمتنا أن الوطنية لا تُقاس بالشعارات، بل بالمواقف حمل قضيته بإخلاص، متنقلًا بين ميادين القتال وساحات السياسة دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية ورغم أن الأضواء الإعلامية لم تنصفه كما أنصفت آخرين، إلا أن التاريخ أنصفه باعتباره واحدًا من فرسان مصر الذين عرفوا كيف يحملون شرفهم الوطني حتى النفس الأخير.

اليوم، حين نبحث عن نماذج للوطنية الخالصة، نجد في سيرة محمد صالح حرب مدرسة قائمة بذاتها، تقدم دروسًا بليغة في الإخلاص، التضحية، والكرامة.