"بين الذاكرة والمدينة".. منال يس بين شوارع أسوان ومعرض الكتاب (حوار)

منال يس

كتب/ت أمنية حسن
2026-01-27 12:01:01

تشكّلت تجربة الكاتبة الأسوانية منال يس، عبر سنوات طويلة من الذاكرة المرتبطة بمدينة أسوان، حيث كانت شاهدة على التحولات الاجتماعية للمحافظة.

بدأت تجربتها السردية قبل عامين من خلال مجموعة على "فيسبوك" ومن خلال منشوراتها وتفاعلها مع أعضاء المجموعة، لفتت كتاباتها الانتباه، لتصبح المجموعة بوابة لاكتشاف موهبتها في الكتابة ومساحة آمنة للتجربة والدعم.

وكان لمؤسس المجموعة عبد الناصر صابر، النقيب السابق للمرشدين السياحيين بأسوان، الذي تعمل معه في معرض "برديات" بأسوان، دور في هذه الرحلة، وهو مرتبط بتخصصها في قسم اللغة الإيطالية بكلية الألسن جامعة عين شمس، ما انعكس على تجربتها الإبداعية.

خرجت تجربة منال بهذه النصوص إلى كتاب ورقي، يشارك هذا العام في الدورة الـ57 من معرض القاهرة الدولي للكتاب. وفي هذا الحوار، تحكي منال كيف تحولت الحكايات اليومية والذكريات المتناثرة إلى مشروع توثيق إنساني يعكس روح المدينة وتجربة أهلها.

 أسوان ومعرض الكتاب

- في كتابك المشارك بالمعرض ما الذي دفعك لاختيار مدينة أسوان دون غيرها للتوثيق؟

أسوان هي مدينتي التي وُلدت وعشت فيها، والكتاب نابع من تجربة شخصية خالصة، يقوم على انتماء مكاني وإنساني، وعلى المعايشة اليومية للمدينة، وليس من منظور المؤرخ المحايد.

- كيف صممت منهجية جمع مادة الكتاب وما المصادر التي اعتمدت عليها؟

الكتاب ليس توثيقًا تاريخيًا تقليديًا، بل تأريخ حديث إنساني برؤية ذاتية. اعتمدت على تجارب عاصرتها بنفسي، وحكايات سمعتها من والدي، وذاكرة المكان والناس التي شهدت على تغير المدينة عبر السنوات. هذا التوثيق حدث تدريجيًا من خلال مقالات كتبتها على مدار سنوات طويلة.

- ما المعايير التي اعتمدتِها لاختيار الشخصيات التي تناولها الكتاب؟

المعيار الأساسي هو التأثير الإنساني والحضور في الذاكرة الجماعية، وليس الشهرة الإعلامية. الشخصيات التي اخترتها جاءت من الحياة اليومية في أسوان، مثل التجار والمعلمون وأصحاب المحلات، وأشخاص شعبيون مؤثرون مثل "أبو حمد"، تاجر الملابس المعروف الذي كان مقصد العائلات، بالإضافة إلى شخصيات رحلت وأبناءهم ما زالوا يعيشون بيننا.

- ما التحديات التي واجهتك في جمع مادة الكتاب والتأكد من دقة الوقائع؟

ج: لم أتعامل مع الكتاب كتوثيق تاريخي بالمعنى التقليدي. التحدي الأكبر كان نقل التجربة بصدق إنساني، مع الالتزام بما عايشته بنفسي أو سمعته من مصادر موثوقة داخل الأسرة والمحيط الاجتماعي.

- كيف تناولتِ موضوع تغيّر جغرافيا الشوارع في أسوان وما تأثير ذلك على السكان؟

تناولت التغيير من خلال الحكايات اليومية، وليس التحليل العمراني. التغييرات في الشوارع انعكست على العلاقات والذاكرة وطبيعة التواصل بين الناس، وهو ما يظهر ضمنيًا عبر استدعاء أماكن بعينها مرتبطة بالطفولة والذكريات.

- ما الفترة الزمنية التي يغطيها كتابك؟

يبدأ الكتاب من الطفولة المبكرة في الثمانينيات، ثم يتابع فترة الصبا، وينتقل بعد ذلك إلى تناول العادات العامة الممتدة زمنيًا مثل الأغاني واللهجة والممارسات الاجتماعية اليومية. الكتاب لا يلتزم بسنة محددة، بل يسعى لرصد تجربة الإنسان في المدينة عبر مراحل متعددة، وربط الحكايات الشخصية بسياق المكان والزمن.

- كيف أثرت أسوان على تكوين هويتك ككاتبة؟ وهل كان للمدينة دور في تشكيل نظرتك للعالم؟

أسوان بالنسبة لي ليست مجرد مكان أكتب عنه، بل هي مصدر الهوية والتجربة الإنسانية. المدينة شكلت رؤيتي للحياة، وعمّقت ارتباطي بالناس البسطاء وحكاياتهم اليومية، ومنحتني منظورًا إنسانيًا يربطني بالآخرين وبتجاربهم، وهو ما انعكس على طريقة كتابتي ونظرتي للعالم من حولي.

- هل تعاملتِ مع الكتاب كعمل توثيقي أم كعمل سردي أدبي؟ 

تعاملت مع الكتاب كعمل سردي إنساني حديث، وليس كمرجع تاريخي تقليدي. لم يكن هناك صراع بين الأمانة التاريخية واللغة الفنية، لأن الهدف الأساسي لم يكن توثيق الوقائع فحسب، بل نقل الإحساس والتجربة الشخصية بصدق، مع الالتزام بالبعد الإنساني والوجداني للحكايات التي عايشتها أو سمعتها من مصادر موثوقة.

- ما اللغة التي كتبتِ بها أسوان؟ هل استخدمت لغة المؤرخ أم لغة الكاتبة أم مزيجًا بينهما؟

تنوعت لغة الكتاب بين الفصحى والعامية، وأحيانًا استخدمت لغة إنسانية وجدانية وفكاهية. هذا التنوع جاء طبيعيًا، لأن النصوص لم تُكتب أصلاً ككتاب موحد، بل كانت مقالات منفصلة نشرتها عبر سنوات، ثم جمعتها لتشكّل تجربة سردية واحدة متكاملة تعكس روح المدينة.

- ما التحول الاجتماعي الذي فاجئتك أكثر خلال العمل على الكتاب؟ ولماذا؟

أكثر التحولات التي أثارت اهتمامي كان تغير العلاقات الاجتماعية التي كانت متقاربة وقوية في الماضي، مقابل سرعة الحياة الحالية التي خفتت معها بعض الروابط. ومع ذلك، لاحظت استمرار أثر بعض الشخصيات البسيطة في حياة الناس رغم غيابهم، ما يعكس قوة الذاكرة الجماعية في أسوان وقدرتها على حفظ أثر الأفراد في الحياة اليومية.

- كيف تعاملتِ مع الزمن داخل الكتاب؟ هل اعتمدتِ زمنًا خطيًا أم زمنًا دائريًا؟

الزمن في الكتاب شبه خطي، حيث يبدأ من الطفولة والصبا وفق ذكرياتي الخاصة، لكنه يتخلله أيضًا ذكريات أقدم تعود إلى والدي وجدي، مع حكايات عامة عن عادات وموروثات لم ترتبط بزمن محدد. هذا الأسلوب يتيح للكتاب الجمع بين تجربة شخصية وتجربة جماعية، ويظهر استمرار الحياة الثقافية والاجتماعية عبر الأجيال.

- كيف أردت أن يرى القارئ من خارج أسوان المدينة؟

أردت أن يراها القارئ كمدينة إنسانية حية، لا مجرد صورة سياحية نمطية. أسوان بالنسبة لي مدينة مليئة بالدراما، بالأفراح والأحزان، وبأشخاص عاديين تركوا أثرًا حقيقيًا، بعيدًا عن الصورة المكررة في الإعلام أو التلفزيون، لتعكس الحياة اليومية والروح الإنسانية للمدينة.

- ما أكثر الملامح أو الأماكن التي اختفت من أسوان الحالية، وما الذي لا يزال حاضرًا؟

ركّزت على شوارع محددة تربطني بها ذكريات مثل شارع البركة، بالإضافة إلى ملامح اجتماعية وثقافية مثل اللهجة الأسوانية، وأغاني الأفراح والعزاء، والعادات اليومية. بعض هذه التفاصيل تراجعت مع مرور السنوات، بينما ما زالت الشخصيات الشعبية المؤثرة حاضرة في الذاكرة، وتستمر في تشكيل الهوية الثقافية للمدينة.

- ما هو مشروعك القادم بعد هذا الكتاب؟

أمتلك أرشيفًا يضم نحو 200 مقالًا، استخدمت منها 50 مقالًا فقط في هذا الكتاب. مستقبلًا، أفكر في الكتابة في مجال النقد الفني، والأفلام، والأغاني، والموسيقى، لإكمال توثيق التجارب الثقافية والفنية بشكل أوسع، وربطها بالتجربة الإنسانية اليومية.